تقارير-و-تحقيقات

المراهنات الرقمية.. قمار العصر بثوب إلكتروني

في زمن الثورة الرقمية، تغيّرت أشكال المعاملات وتبدّلت وسائل الترفيه، لكن بريق المال السهل لم يتغيّر وما بين تطبيقات الهاتف، وألعاب الفيديو، ومنصات التواصل الاجتماعي، ظهرت “المراهنات الرقمية” كأخطر أنواع القمار المعاصر، بواجهة براقة، ومحتوى محرم شرعًا ومدمّر نفسيًا واجتماعيًا.
هذا التقرير يفتح ملف المراهنات الرقمية بكل تفاصيلها: شرعًا، وقانونًا، ونفسيًا، وتقنيًا، من خلال آراء العلماء، وتحذيرات الخبراء، في محاولة لكشف الستار عن عالم أشبه بشبكة عنكبوتية خادعة، تُغري بالثراء لكنها تنتهي بالضياع.

 ما بين الربح المشروع والمراهنة المحرمة

يروّج القائمون على المراهنات الرقمية لعبارات مثل “اربح من الإنترنت”، و”استثمر في الحظ”، و”اختبر ذكاءك واربح”، إلا أن هذه العبارات تخفي وراءها مغالطة خطيرة؛ فهي لا تقوم على تجارة أو عمل منتِج، بل على الحظ والمصادفة، وأحيانًا الخداع.

الفرق الجوهري يكمن في الأساس الشرعي:

الربح المشروع في الإسلام قائم على البيع والشراء، والخدمة، والعمل، والمهارة، و”لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه”.

أما المراهنة، فهي ربح بدون مقابل منتج حقيقي، بل قائم على الاحتمالات والمخاطرة، وغالبًا ما يخسر طرف ليربح آخر، ما يجعلها صورة من صور أكل أموال الناس بالباطل، ويدخل في حكم “الميسر”.

ويؤكد الفقهاء أن قاعدة “الغرر” تنطبق تمامًا على هذه المعاملات، وقد حذر النبي ﷺ من البيع الذي يتضمن الغرر.

صور المراهنات الرقمية في العالم المعاصر

رهانات المباريات الرياضية: حيث يراهن اللاعبون على نتائج المباريات، وأداء اللاعبين، وعدد الأهداف، وغالبًا ما تُدار هذه الرهانات عبر مواقع أجنبية محظورة أو شبكات غير قانونية.

ألعاب الكازينو الافتراضي: مثل الروليت، البلاك جاك، والبكاراه، حيث يُحاكي اللاعب بيئة الكازينو على شاشة هاتفه، وقد يخسر فيها مئات الدولارات في دقائق.

شراء عملات رقمية (كوينز) للمراهنة داخل تطبيقات الألعاب، سواء في ألعاب الورق، أو الرهان على “الطيارات”، أو “الصناديق المحظوظة”.

تطبيقات التداول الاحتمالي السريع (binary options)، التي تخدع المستخدم بأنها استثمار حقيقي بينما هي رهانات إلكترونية متقنّة.

ضريبة نفسية واجتماعية باهظة

من الإدمان إلى الانهيار الأسري

وراء كل لعبة مراهنة، هناك قصة مأساوية. تظهر التقارير النفسية أن المراهنات الرقمية تسبب:

إدمانًا سلوكيًا شبيهًا بإدمان المخدرات. يتكرر فيه الفعل رغم الإدراك الكامل بالأضرار، نتيجة لتحفيز الدماغ على إنتاج الدوبامين (هرمون المكافأة).

خسائر مالية ضخمة، تقود إلى الديون أو السرقة أو بيع الممتلكات لتغذية الحسابات الرقمية.

انهيار الثقة الأسرية: حيث يسقط المراهق أو الشاب في دوامة الكذب والاحتيال لتغطية خسائره، وقد يصل الأمر إلى الانتحار بعد الفشل المالي أو الفضيحة.

وتُشير دراسة أجرتها “جامعة كامبريدج” إلى أن 74% من الشباب الذين أدمنوا المراهنات الرقمية يعانون من أعراض القلق والاكتئاب.

الحيل الدعائية واستغلال النجوم

كيف تُساق الضحية باسم النجاح؟

تعتمد المنصات والمواقع التي تقدم المراهنات الرقمية على أدوات دعاية خادعة، منها:

إعلانات براقة من نوع “اربح ألف دولار في دقيقة!”، دون أي ذكر للمخاطر أو شروط الاستخدام.

قصص نجاح وهمية وشهادات مزيفة من “مشاهير السوشيال ميديا”، يتم تسويقها على شكل فيديوهات “ريلز” تظهر شابًا مغمورًا أصبح مليونيرًا في شهر.

استخدام وجوه رياضية أو فنية مشهورة، ما يضفي “شرعية نفسية” لدى المتابعين، خاصة المراهقين.

أنظمة “الإحالة” والعمولات، التي تدفع المستخدم إلى استدراج أصدقائه وأقاربه، فيتحول من ضحية إلى وسيلة لنشر الفخ.

 رأي الأزهر ودار الإفتاء.. وضوء الشرع في ظلمة الشاشة

فتاوى صريحة وتحذيرات شاملة من الوقوع في الحرام الرقمي

أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى واضحة عام 2023 تؤكد أن جميع أنواع المراهنات الرقمية حرام شرعًا، لكونها نوعًا من “الميسر” الذي نهى الله عنه في قوله تعالى:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.

كما حذّر الأزه%

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى