أخبار

المفتي: صيانة الهوية الوطنية واجب شرعي ووطني

كتب:مصطفى علي

في أجواء اتسمت بالزخم الفكري وبحضور واسع من رموز الأزهر والباحثين والتربويين، ألقى فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، كلمة مطوّلة خلال فعاليات المؤتمر الدولي الحادي عشر لكلية التربية بنين بجامعة الأزهر، المنعقد تحت عنوان «جيل ألفا والتربية.. صناعة المستقبل وقيادة التغيير» جاءت كلمة المفتي لتضع محور الهوية الوطنية في قلب النقاش الأكاديمي والتربوي، مؤكدة أن حماية الهوية ليست شعارًا، بل منظومة قيمية وثقافية وتاريخية ودينية تشكل أساس الأمن القومي وسياج الوعي الجمعي في مواجهة تيارات فكرية عابرة للحدود.

الهُوية الوطنية.. أبعاد مركّبة وجذر أصيل للانتماء

استهل فضيلته حديثه بتعريف الهوية الوطنية باعتبارها مجموعة خصائص متشابكة تتداخل فيها العقائد واللغة والمفاهيم والأخلاق والتاريخ والعادات والسلوكيات، وهي التي تمنح الوطن شخصيته المتفردة بين الأمم.
وأوضح أن الوطن الذي يفقد هويته يتحول إلى مجرد مساحة جغرافية يسكنها أفراد بلا رابط قيمي أو حضاري، فيسهل استقطابهم نحو أجندات متطرفة أو مصالح خارجية.

وشدد المفتي على أن الانتماء للوطن والولاء له والدفاع عنه ليست مجرد مشاعر عاطفية، بل تمثل الجذر الأصيل للهوية وعصب الوجود المجتمعي فالإنسان الذي يفقد انتماءه يصبح ضعيفًا أمام حملات الاستقطاب، ويُستدرج دون وعي إلى تهديد استقرار مجتمعه.

عناصر الهوية الوطنية.. وطن ودين ولغة وتاريخ

ألقى المفتي الضوء على أربعة عناصر رئيسة تشكل معًا البنية الصلبة للهوية الوطنية:

1. الوطن.. الحاضنة التي تُعاد فيها صياغة الانتماء

الوطن بحدوده ومجاله الجغرافي هو الإطار الذي يتشكل فيه الانتماء وتترسخ فيه روابط المجتمع وغياب هذا الإطار يقطع الجذور التي تربط الإنسان بماضيه ومستقبله.

2. الدين.. ركيزة الولاء واكتساب القيم

يؤدي الدين دورًا أساسيًا في دعم الدافعية الوطنية، والدفاع عن استقرار الدولة، وترسيخ قيم الولاء والاعتدال ويؤكد المفتي أن فهم الدين فهمًا وسطيًا ينعكس مباشرة على تماسك المجتمع.

3. اللغة.. الحافظة للتراث والهوية

اللغة حسب تأكيد المفتي ليست مجرد وسيلة تواصل، بل وعاء يحفظ الذاكرة الحضارية ويعبر عن خصوصية الثقافة.

4. التاريخ الوطني المشترك

التجارب التاريخية المشتركة من تحديات وانتصارات تمثل رابطًا وجدانيًا يوحد أبناء الوطن، ويعزز الهوية الجمعية التي تقف سدًا ضد محاولات الاختراق أو التفكيك.

تحديات كبرى تهدد الهوية.. من التغريب إلى الإلحاد الرقْمي

توسّع المفتي في استعراض أبرز التحديات التي تواجه الهوية الوطنية في العصر الحديث، مؤكدًا أن هذه التحديات تتطلب وعيًا مستمرًا ودعمًا من المؤسسات التربوية والدينية والإعلامية.

المفاهيم المغلوطة حول الدين والانتماء

بعض التيارات تروج لفكرة أن الانتماء الوطني يتعارض مع الانتماء الديني، بينما تؤكد السيرة النبوية أن حب الوطن قيمة فطرية أصيلة.

التغريب ومحاولات سلخ الإنسان عن ثقافته

تُفرض قيم وسلوكيات وأنماط غربية على المجتمعات العربية تحت شعارات الحداثة، ما يهدد اللغة والقيم والوعي التاريخي.

الاغتراب المجتمعي والهوية البديلة

ينزلق الشباب أحيانًا إلى تبني نماذج خارجية على حساب الانتماء الوطني، بفعل الانفتاح غير المنضبط على العالم الرقمي.

الغلو والتطرف الديني

الجماعات المتطرفة كما أشار المفتي تعمل على التشكيك في الدولة الوطنية وشرعيتها، وتستغل الدين لخلق حالة انفصال بين الفرد ووطنه.

العولمة ومحاولات طمس الخصوصيات الثقافية

تسهم العولمة في خلق نمط عالمي واحد يبتلع التقاليد والقيم المحلية، مما يتطلب مقاومة واعية تحفظ التوازن بين الانفتاح والخصوصية.

الإعلام الموجَّه والشائعات

الإعلام المضاد يستهدف ضرب الثقة بين المواطن ومؤسساته من خلال الشائعات، وهو ما حذّر منه القرآن الكريم والسنة النبوية.

الإلحاد والفكر اللاديني

أشار المفتي إلى تصاعد موجات الإلحاد وانتشار المحتوى الرقمي اللاديني، الذي يجعل الإنسان أسيرًا لشهواته بعيدًا عن قيم الدين والوطن.

الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية.. جبهة موحّدة لصناعة الوعي

ركز المفتي على أن تحصين الهوية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني، مشيرًا إلى:

دور الأسرة في الحوار وتشكيل الوعي الأخلاقي.

دور المدرسة في دمج مهارات التفكير النقدي والوعي الرقمي ضمن المناهج.

دور المؤسسات الدينية في تقديم محتوى رقمي جذاب يرسخ الاعتدال.

وأكد أن الوعي الرقمي بات ضرورة لا رفاهية، وأن جيل ألفا يحتاج إلى أدوات نقدية تُمكّنه من التحقق من المعلومات قبل تداولها.

الفكر لا يُواجَه إلا بالفكر.. وأدوات جديدة في مواجهة التطرف

أبرز المفتي تجربة دار الإفتاء في مواجهة الفكر المتطرف عبر:

مركز «سلام» لدراسات التطرف.

تطبيق «فتوى برو».

وحدة الحوار.

وأشار إلى أن الرد على التطرف لم يعد يقتصر على النصوص، بل يجب أن يشمل وسائل جديدة مثل الرسوم المتحركة والأفلام القصيرة والمحتوى الرقمي الموجه، لتحقيق تأثير أكبر بين الأجيال الجديدة

حضور واسع وتكريم رسمي

شهد المؤتمر حضورًا رفيع المستوى من قيادات الأزهر والجامعات المصرية، بينهم:

فضيلة أ.د. محمد الضويني، وكيل الأزهر

د. سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر

د. محمود صديق

د. سيد بكري

د. محمد البيومي

د. علاء عشماوي

د. نهلة الصعيدي

د. شوقي علام، مفتي الجمهورية السابق

د. جمال فرغل الهواري، عميد الكلية

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى