الرئيسيةعرب-وعالم

اتفاق المعادن النادرة… هدنة أم إنهاء لحرب تجارية ممتدة لسنوات

بين واشنطن وبكين (1)

تقرير: مروة محي الدين

ما تزال الولايات المتحدة والصين تقفان في مرحلة المفاوضات، حول التفاصيل التنفيذية لاتفاق كوالالمبور أو المعادن النادرة، الذي تم الإعلان عنه في 30 أكتوبر 2025، عقب لقاء زعيمي البلدين، الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ونظيره الصيني “شي جين بينج”، في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية، لزيادة صادرات المعادن النادرة من بكين إلى واشنطن، ولتهدئة التوتر الدولي بينهما بعد عدة إجراءات قاسية، اتخذتها كل منهما لفرض كلمتها على حركة التجارة بينهما، ودفعت كلتاهما تكلفتها الباهظة.

وبينما تم اتخاذ بعد الإجراءات التنفيذية فيه، حيث رفع البيت الأبيض بعض قيود التعريفات الجمركية، وحسب إعلان “ترامب” يمتد الاتفاق لعام واحد، يعاد بعده التفاوض سنويًا، عملا على ضمان تدفق الإمدادات الحيوية للولايات المتحدة؛ ما يطرح التساؤلات حول: ما يحمله هذا الاتفاق؟ وماذا يعثر خروجه النهائي، وهل يمكنه إنهاء الصراع الكبير بين الدولتين العظمتين؟ وهل يمثل فعليا هدنة تجارية مؤقتة؟

هدنة تكتيكية

وصفت الصحفية الصينية “سعاد باي شين هوا”- في تصريحات خاصة لموقع اليوم- طبيعة الاتفاق بأنه: “أقرب إلى هدنة تكتيكية منه إلى حل جذري، فجميع البنود الأساسية مؤقتة لمدة عام واحد، وتتمحور حول تعليق الإجراءات لا إلغائها، ما يظهر رغبة الطرفين في الحفاظ على أدوات الضغط المستقبلية؛

كما أن الاتفاق يتناول قضايا قصيرة المدى قابلة للإدارة، بينما تبقى جذور الخلل في الميزان التجاري- من اختلاف البنية الاقتصادية ومعدلات الادخار إلى دور الدولار والمنافسة التكنولوجية- بعيدة عن أي معالجة، ومن هنا، يبدو التوافق أشبه بطفاية حريق، تمنع انفجار نزاع تجاري جديد في لحظة حرجة، لا إطاراً يعالج الاختلالات العميقة أو يحقق توازناً تجارياً دائماً، لذا ستشهد الشهور المقبلة هدوء الاحتكاكات التجارية بين الجانبين نسبياً، ليعود الجانبان إلى التفاوض حول الرسوم والتقنيات وسلاسل التوريد، وربما تتصاعد التوترات مجدداً، مع اقتراب نهاية المدة”.

وتابعت: “يمثل اتفاق كوالالمبور انتقالاً مؤقتاً نحو نمط يقوم على إدارة الخلافات والتعاون المحدود، ويمثل خياراً عقلانياً فرضته حقيقة أنّ المواجهة الشاملة بين الصين والولايات المتحدة مُكلفة للطرفين، في حين ما تزال جذور التنافس الاستراتيجي قائمة، وعليه، سيشكل العام المقبل فرصة ثمينة للشركات والمستثمرين، لإعادة ترتيب سلاسل الإنتاج، وتقليل الاعتماد على سوق واحد، استعداداً لمرحلة طويلة من المنافسة التي لم تنته بعد،.

المعادن النادرة 

حسب ما أعلن من بنود هذا الاتفاق، تعهدت الصين بتعليق القيود، التي فرضتها على صادرات المعادن الأرضية النادرة والمعادن الحيوية الأخرى، أو انتوت فرضها، وقد يشمل التعليق إلغاء تلك القيود، التي كانت تخطط لفرضها؛ كما وافقت على إصدار تراخيص تصدير عامة لمصلحة المستخدمين النهائيين في جميع أنحاء العالم، فيما يتعلق بصادرات المعادن النادرة، ومواد أخرى، مثل: الجاليوم، والجرمانيوم، والأنتيمون، والجرافيت.

وفي ذات السياق، يرى البيت الأبيض: أن الاتفاق ينهي جميع القيود المفروضة مسبقًا، وكانت تهدد سلاسل إمداد الصناعات الأمريكية الحساسة، مثل: الطيران، وأشباه الموصلات، والسيارات الكهربائية.

تنازلات أمريكية

مقابل ما قدمته الصين، خفضت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على بعض المنتجات الصينية، لا سيما تلك المتعلقة بجهود مكافحة تهريب مادة الفنتانيل إلى أمريكا، حيث انخفض تعريفة هذه الفئة من 20% إلى 10%؛ كما علقت القيود التكنولوجية، المتمثلة في خطط توسيع قائمة الشركات الصينية المدرجة على القائمة السوداء للصادرات؛ وعلى مستوى المنتجات الزراعية، استأنفت الصين التزامها بشراء كميات كبيرة من المنتجات الزراعية الأمريكية، مثل: فول الصويا ومنتجات أخرى.

عودة التصعيد

 

لم تحمل إجراءات الاتفاق المعلن عنه أية ضمانات، لمنع عودة التصعيد بين البلدين من جديد، بل على العكس تبدو مدة الاتفاق والأحاديث حولة مرجحة لتلك العودة، وفي لقاءه مع برنامج (60 دقيقة) لوح “ترامب” عدة مرات بإمكانية حدوث ذلك، وأبدى استعداده له، ما يجعل الاحتمال أقرب للحدوث.

وقد أوضحت “سعاد” أهم تداعيات عودة التصعيد، فقالت: “إذا عادت الحرب التجارية بين بكين وواشنطن إلى التصعيد، فستدفع الاقتصاد العالمي نحو موجة جديدة من الاضطرابات؛ إذ تتراوح خطة ترامب لفرض رسوم جمركية تصل عإلى 125- 145%، بالتوازي مع تشديد شامل للضوابط التقنية وضرب سلاسل التوريد، بما يؤدي إلى انهيار حاد في التجارة الثنائية، بنسبة تتراوح بين 30%- 50%، ما سيهزّ الأسواق العالمية ويدفع الشركات إلى إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج بتكاليف ضخمة، وستتأثر الصادرات الصينية وبعض الصناعات التحويلية؛

وبينما تمتلك الصين قدرة امتصاص أعلى، بفضل سوقها الداخلي الكبير وهيكلها الصناعي المتكامل وتنوع أسواقها الخارجية؛ يكون المستهلك في الولايات المتحدة أكبر الخاسرين، إذ سيتحمّل أكثر من 90% من تكلفة الرسوم، فيما سترتفع أسعار السلع الأساسية، بنسبة تتراوح بين 20%- 40%، وتنخفض القدرة الشرائية بشكل ملحوظ، كما تتعرض قطاعات الصناعة والزراعة لخسائر حادة، بفعل اضطراب سلاسل التوريد، وانكماش السوق الصينية”.

ولفتت إلى أن “التصعيد سيؤدي إلى ردود صينية قوية، مثل: تقييد صادرات المعادن النادرة، ورفع الرسوم على السلع الزراعية الأمريكية، واتخاذ إجراءات في المجال المالي، ما يزيد الضغط على الصناعات التكنولوجية الأمريكية، وقطاع الدفاع، وسوق السندات الأمريكية؛ وبالتالي لا يكون التصعيد أداة ضغط فعّالة، بل صراعاً غير عقلاني يضرّ بالطرفين، دون أن يحلّ مشكلات الصناعة الأمريكية، أو يغير التوازنات العالمية، بل سيجعل الولايات المتحدة تدفع الثمن الأكبر، لذا على الشركات والمستثمرين الإسراع في تقييم مخاطر سلاسل التوريد، وتنويع الأسواق، تحسباً لموجة جديدة محتملة من البرد التجاري”.

من الرابح؟

كلتا القوتين قدمت تنازلات في هذا الاتفاق، لكن الرئيس الأمريكي يعتبره أحد أعظم انتصاراته على الصين، ليكون التساؤل عن الرابح الحقيقي من هذا الاتفاق، وقد أوضحت “سعاد” حقيقة الأمر، فقالت: “يعد الاتفاق لحظة تهدئة مهمة، بعد سنوات من التصعيد التجاري المستمر، فقد قدم الجانبان تنازلات متبادلة، في مجالات الرسوم الجمركية والضوابط التقنية والتجارة الزراعية؛

وألغت واشنطن الرسوم الإضافية البالغة 10%، المعروفة برسوم الفنتانيل، ومددت تعليق زيادة الرسوم بنسبة 24% لمدة عام، كما أجلت تنفيذ قاعدة الاختراق بنسبة 50%، التي تستهدف الاستثمارات الصينية؛ وفي المقابل، ألغت بكين الرسوم الانتقامية المناظرة، وأجلت تطبيق ضوابط على صادرات المعادن النادرة والموارد الإستراتيجية، ووافقت على التزامات واضحة في مشتريات المنتجات الزراعية الأمريكية”.

وأضافت: “وقد وفرت تلك الخطوات للطرفين مكاسب عملية؛ في ملفات داخلية حسّاسة، حيث خفّضت واشنطن الضغوط التضخمية، وعززت صادراتها الزراعية، وأحرزت تقدماً في التعاون بشأن مكافحة الفنتانيل، فيما حافظت على قدر من الاستقرار في سلاسل التوريد؛ أما الصين فنجحت في تجنّب جولة من الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة، كانت قد تصل إلى 100%، ونجحت في حماية حصتها من السوق الأمريكية، كما حصلت على فترة ثمينة، لالتقاط الأنفاس لشركاتها التكنولوجية الصينية”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى