
تقرير: سمر صفي الدين
في مشهد يصلح لأن يكون “قفشة سياسية” أكثر من كونه خطابًا انتخابيًا، أطلت برندا بيا، الابنة الوحيدة للرئيس الكاميروني بول بيا، على منصات التواصل الاجتماعي لتسجل نفسها كأول ابنة في العالم تدعو الناخبين علنًا إلى عدم انتخاب والدها، الذي يسعى لولاية ثامنة رغم بلوغه الثانية والتسعين، أربعون عامًا منها فالحكم.
رسالة قصيرة، مصورة، ومشحونة بلغة عاطفية، لكنها في الوقت نفسه تحمل مضمونًا سياسيًا أثقل من عشرات الخطب الانتخابية التي ألقاها منافسو والدها على مدار عقود.
فيديو يثير جدلاً
في مقطع مصور انتشر بسرعة قياسية، ظهرت برندا وهي تتحدث بوجه شاحب وصوت متأرجح، لتروي ما وصفته بـ”معاناتها الشخصية مع العائلة”.
ثم لم تلبث أن تحولت إلى الهجوم المباشر، مطالبة الناخبين بعدم التصويت لوالدها في انتخابات 12 أكتوبر 2025.
كما قالت نصًا: “لا تصوّتوا لبول بيا، ليس بسببي، بل لأنه جعل الكثير من الناس يعانون. آمل أن نحصل على رئيس آخر”.
اللافت أن خطابها لم يكتفِ بالشق الشخصي، بل تجاوز ذلك إلى إعلان القطيعة مع عائلتها والتخلي عن الامتيازات التي لطالما أحاطت بها بصفتها ابنة رئيس حكم الكاميرون أكثر من أربعة عقود.

قطيعة علنية وانتقادات لاذعة
برندا، التي تعيش في سويسرا منذ سنوات، أكدت أن معارضتها لوالدها ليست نزوة عائلية بل قناعة سياسية، لأن سنوات حكمه الطويلة ــ على حد وصفها ــ جلبت المعاناة لملايين الكاميرونيين.
وبهذا، كسرت حاجز “التابو” السياسي والأسري معًا، فهي لم تكتفِ بالتمرد على الامتيازات، بل فتحت النار على شخص الرئيس، والدها، الذي يسعى لولاية ثامنة رغم بلوغه الثانية والتسعين.
تفاعل شعبي واسع
الفيديو أثار سيلاً من التعليقات والانقسامات. هناك من رأى فيه شجاعة سياسية غير مسبوقة، لأن مواجهة أب يلقب في الداخل بـ”الأسد الذي لا يشيخ” تحتاج إلى جرأة استثنائية.
كما وصفوها آخرون بالخائنة لأسرتها، معتبرين أن مشاكل العائلة يجب أن تبقى خلف الأبواب المغلقة.
بول بيا.. الرئيس الأبدي
لفهم ثقل ما فعلته برندا، لا بد من العودة إلى سيرة والدها بول بارتيلمي بيا بي مفوندو.
الرجل الذي ولد عام 1933 في بلدة صغيرة جنوبي الكاميرون، ودرس في فرنسا القانون والعلوم السياسية، عاد إلى وطنه ليبدأ مسيرة سياسية صاعدة انتهت به في قصر الرئاسة منذ نوفمبر 1982، ولا يزال فيه حتى اليوم.
بيا وصل إلى الحكم عبر الاستقالة المفاجئة لسلفه أحمدو أحيدجو. ومنذ ذلك التاريخ لم يتزحزح عن كرسي السلطة.
كما عاصر تغييرات داخلية ودولية هائلة، وأعاد صياغة النظام السياسي على مقاسه. فألغى حدود الولايات الرئاسية عام 2008، ما جعله عمليًا رئيسًا “مدى الحياة”.
سنوات الحكم الطويلة
حكم بيا الكاميرون بقبضة تجمع بين “الاستقرار المعلن” و”الأزمات المكتومة”.
فعلى الرغم من تقديم نفسه كحامي الاستقرار، اندلعت خلال ولايته أزمات كبرى. أبرزها النزاع المسلح في المناطق الناطقة بالإنجليزية عام 2016، الذي أودى بآلاف الأرواح وشرد مئات الآلاف.
ورغم ذلك، ظل الرجل ممسكًا بالخيوط، مدعومًا بشبكة حزبية وأمنية متماسكة. إضافة إلى تحالفات خارجية أبرزها مع فرنسا.
صورة متناقضة
على الساحة الدولية، يقدم بول بيا كـ”عميد القادة الأفارقة”. بينما ينظر إليه منتقدوه باعتباره نموذجًا للاستبداد الموروث من الأنظمة ما بعد الاستعمارية.
وفي الداخل، يظهر في ندرة المناسبات العامة، تاركًا القرارات اليومية لشبكة من المستشارين والوزراء. فيما يظل حضوره الإعلامي محدودًا إلى حد الغياب.


