بعد جدل تعزية الإمام الأكبر.. عالم أزهري: الشماتة في موت غير المسلم من فعل الجهَّال

كتب- محمود عرفات
قدم الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف العزاء في وفاة البابا فرانسيس بابا الفاتيكان الذي وفاة المنية اليوم الإثنين عن عمر يناهز 88 عاما.
وقال شيخ الأزهر: فقد العالم اليوم رمزًا إنسانيًّا من طراز رفيع، الصديق العزيز البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، الذي سخَّر حياته لخدمة الإنسانية، ومناصرة قضايا الضعفاء واللاجئين والمظلومين، ودعم الحوار والتفاهم بين الأديان والثقافات المختلفة، كان محبًّا للمسلمين، مخلصًا في نشر السلام، ويُذكر له أن آخر تصريحاته كانت للدفاع عن فلسطين وأهل غزة المضطهدين، وقد أسهمت جهوده في دفع جهود الحوار الإسلامي- المسيحي، حتى وقَّعنا وثيقة الأخوَّة الإنسانية التاريخية عام 2019.
جدل واستنكار
بعد وفاة البابا فرانسيس وتعزية شيخ الأزهر شهدت مواقع التواصل الاجتماعي حالة من الجدل تنادي بعدم الترحم على غير المسلم، ولا حتى تهنئنهم في أعيادهم، مستنكرين مخاطبة شيخ الأزهر للبابا فرانسيس بأخي العزيز، وهذا ما عبروا عنه في تعليقات متفرقة على صفحة الإمام الأكبر.
من جانبه قال إبراهيم العشماوي أستاذ الحديث وعلومه إن الشماتة في موت غير المسلمين – لمجرد اختلاف الدين، وإن كانوا مسالمين – من فعل الجهال، والحكم على مصائر العباد – بأعيانهم – أمر غير مقبول في شريعة الإسلام.
ازدواجية المعايير
وأضاف في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أنه قد اعتادت الجماعات الدينية المتطرفة أن تثني على الأزهر إذا وافقها، وتذمه إذا خالفها، فقد طاروا بنعي الأزهر للشيخ الحويني، واعتبروا هذا النعي فضيلة من فضائل الأزهر، مع كفرهم بمنهجه، بينما تطاولوا اليوم على شيخ الأزهر بسبب نعيه لبابا الفاتيكان، ووصل الأمر بهم إلى تكفيره، مؤكدًا أن هذا يكشف لك عن ازدواجية المعايير عند هؤلاء.
وأكد “العشماوي” أن ما فعله فضيلة الإمام هو عين ما جاء به الدين الحنيف، وهو صورة من صور البر والإقساط الذي أمر به الإسلام أهله في معاملة أهل الكتاب، وجاءت السنة النبوية وسيرة السلف الصالح لتؤكده عمليا، في نماذج إنسانية راقية من التعامل تدل على سماحة الإسلام في معاملة غير المؤمنين به، ما داموا مسالمين.
تطاول ورد
وأوضح أستاذ الحديث وعلومه أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي يتطاول فيها هؤلاء على أكبر رمز للمسلمين السنة في العالم فقد تطاولوا عليه من قبل، لمخاطبته للبابا بألفاظ التعظيم والتكريم، وأضاف قائلا: وكان من جملة ردودي عليهم في ذلك: “لست مع الذين انتقدوا فضيلة الإمام في مخاطبته (بابا الفاتيكان) بألفاظ التعظيم والتكريم، ولئن فعلها الرجل فلقد فعلها من هو خير منه، ألم يخاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم ملوك وأمراء العالم من أهل الأديان الأخرى، ألم يسبغ عليهم ثياب العظمة؟!، ألم يقل: “إلى المقوقس عظيم القبط؟!”، ألم يقل: “إلى هرقل عظيم الروم؟!”، ألم يقل: “إلى (كسرى) عظيم فارس؟!”، ألم يقل: “إلى النجاشي عظيم الحبشة؟!”، لافتا إلى أن إضافة التعظيم إلى أقوامهم؛ إشارة إلى أن تعظيمهم على نحو خاص، لا يتناسب وعقيدة المسلمين.
وتابع أن هؤلاء نعم معظمون في أقوامهم، فنحن نخاطبهم بما يتخاطبون به فيما بينهم، من نحو قداسة البابا ونيافة الأنبا وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم(عظيما) وهو أعلى من هذه الألقاب، فهو اسم من أسماء الله تعالى.
دبلوماسية الحوار الإسلامي
وأردف أنه لئن جاز لنا أن نسمي هذا الفعل باسم خاص؛ لسميناه(دبلوماسية الحوار في الإسلام) وأسلوب التنزل في الخطاب مع غير المسلمين، من أجل مصلحة الدعوة؛ هو أسلوب الأنبياء، ألم يحك القرآن عن أبي الأنبياء أنه قال في الكواكب والنجوم:”هذا ربي”؟!، وألم ينسب الفعل إلى الأصنام، فقال:”بل فعله كبيرهم هذا”، ولم يكن ذلك إلا مجاراة للخصم فيما يعتقد، حتى يقيم الحجة عليه بلسانه من قوله، حين يرى بعينيه أفول نجم الإله، وتحطم أسطورته، فيرجع عن اعتقاده الباطل في أمر الألوهية، بل إن القرآن أمر بالتلطف في الخطاب وإلانة القول مع من قال:”أنا ربكم الأعلى”، فقال:”فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى”، وأخذ الله الميثاق على بني إسرائيل أن يقولوا للناس – كل الناس – حسنا، فكيف لا يأمر بذلك المسلمين بذلك.
وأكد أستاذ الحديث وعلومه أنه ولو لم يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم الملوك والأمراء بألقاب التعظيم المستحقة لهم عند أقوامهم؛ لم يجد منهم إلا أخشن الرد، ولكن لينه في الخطاب استدعى اللين منهم في الجواب – إلا ما كان من(كسرى) الذي مزق الكتاب، فمزق الله ملكه – فدعا رجلا مثل (النجاشي) إلى الإسلام، ورجلا مثل (المقوقس) إلى أن يرسل بالهدايا الثمينة، ويعتذر اعتذارا لطيفا للنبي صلى الله عليه وسلم، ورجلا مثل (هرقل) إلى أن يتمنى أن يغسل قدميه الشريفتين صلوات الله وسلامه عليه، وهو التقليد الذي ما زال يفعله (بابا الفاتيكان) إلى الآن.
مصلحة الدعوة
وعن مخاطبة شيخ الأزهر للبابا بأخي العزيز قال: هذا مما يقتضيه خطاب العظماء ومصلحة الدعوة، على النحو الذي بينا، وليس ينكر أحد عنده مسكة من عقل أنهم مخلوقون من طينة البشر، فهم إخوة لنا في الإنسانية والآدمية، مؤكد أننا الآن في عالم متغير يحتاج منا إلى حمل رسالة الإسلام – في ضوء مقاصده الكبرى وغاياته العظمى – دون إفراط أو تفريط.
