الهجرة النبوية.. كيف صاغت ملامح أمة وقادت البشرية نحو النور؟

تقرير: مصطفى على
مع اقتراب طلوع هلال شهر المحرم، يستقبل المسلمون في شتى بقاع الأرض عامًا هجريًا جديدًا، هو عام 1447 من الهجرة النبوية المباركة، التي لم تكن مجرد انتقال مكاني من مكة إلى المدينة، بل مثلت تحولًا تاريخيًا أسس لدولة الإسلام الأولى، وأعاد صياغة الوجود الإنساني على أساس الإيمان، والعدل، والرحمة.
وتأتي الذكرى متجددة كل عام، حاملة في طياتها دروسًا متجددة، ومعجزات مؤثرة، سُجلت في رحلة شاقة قطع فيها النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصدّيق قرابة 380 كيلومترًا، من بيت السيدة خديجة بنت خويلد في مكة إلى دار عمرو بن عوف في قباء، حيث وصل النبي في الثاني عشر من ربيع الأول، لتبدأ فصول البناء الحضاري لأمة الإسلام.
التمهيد لرحلة الهجرة: ثلاثة عشر عامًا من الصبر والمقاومة
بدأت البذور الأولى للهجرة حينما بُعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة، حاملاً رسالة التوحيد في مجتمع جاهلي تتنازع فيه عبادة الأوثان، وتسيطر عليه العصبيات القبلية.
13 عامًا قضاها النبي يدعو إلى الإيمان، قابله خلالها سادة قريش بأشد أنواع الاضطهاد والتنكيل، ولم ينجُ من الأذى لا هو ولا أصحابه وكان من أبرز مظاهر هذا الإيذاء ما تعرض له الصحابي بلال بن رباح، والسيدة سمية أول شهيدة في الإسلام، وغيرها من وقائع التعدي التي وثقتها كتب السيرة بدقة.
ومع اشتداد المعاناة، جاء الأمر الإلهي للنبي بالإعداد لهجرة كبرى، عقب بيعة العقبة الثانية، حين بايع عدد من أهل يثرب (المدينة المنورة لاحقًا) رسول الله على الإيمان والنصرة، فمهّد بذلك لنقطة التحول الكبرى في الدعوة الإسلامية.
الخطة المحكمة: إعداد مسبق وتنسيق سري
حين أُذن للنبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة، اتجه إلى بيت أبي بكر الصديق في منتصف النهار، وهو وقت لا يخرج فيه أحد، ليخبره بالأمر العظيم. فبكى أبو بكر من شدة الفرح، وقال: «الصحبة يا رسول الله؟» فأجابه النبي: «الصحبة».
أعد أبو بكر راحلتين للسفر، واستأجرا رجلًا مشركًا يُدعى عبد الله بن أريقط، عُرف بمهارته في الدلالة وصدق الأمانة، ليدلهما على الطريق وهكذا بدأت أكبر عملية اختراق للمخطط القُرشي الذي كان يسعى للقضاء على الدعوة.
لم يكن الأمر مجرد هروب، بل كان تخطيطًا محكمًا شارك فيه عدد من أفراد أسرة أبي بكر؛
عبد الله بن أبي بكر كان يتسمع الأخبار وينقلها ليلًا.
أسماء بنت أبي بكر كانت توصل الطعام والشراب في الخفاء.
عامر بن فهيرة كان يتبع الآثار بالغنم حتى لا تُكتشف تحركاتهم.
وبهذا التكتيك الدقيق، أفلت النبي وصاحبه من عيون قريش.
الليل التاريخي: مشهد البيت المحاصر ومعجزة النوم الجماعي
ليلة الهجرة لم تكن كأي ليلة؛ فقد اجتمع سادة قريش على باب بيت النبي بهدف اغتياله، فتآمروا ليضربه كل فتى من قبائلهم ضربة واحدة، فيضيع دمه بين القبائل.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من ابن عمه علي بن أبي طالب أن ينام في فراشه، ليؤدي عنه الأمانات ويشتت انتباه الأعداء.
ثم خرج رسول الله متخفيًا، وأخذ حفنة من التراب وذرّها على رؤوس القوم وهم أمام الباب، وهو يتلو قول الله تعالى:
“وجعلنا من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون” [يس: 9]
فأصابهم النوم كالمسحورين، ولم يشعروا بخروجه حتى طلعت الشمس.
غار ثور.. الملاذ الإلهي والمعجزة الخالدة
لجأ النبي وأبو بكر إلى غار ثور جنوب مكة، ومكثا فيه ثلاثة أيام. وهناك تتجلّى واحدة من أعظم المعجزات النبوية، حين اقترب المشركون من الغار، حتى إن أبا بكر قال للنبي: “لو نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا”.
فقال له النبي بثقة المؤمن:
“يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟”
وفي تلك اللحظات أرسل الله عنكبوتًا نسج خيوطه على باب الغار، وحمامة وضعت عشًا وبيضت فيه، فظن القوم أن الغار مهجور من قديم الزمان، وانصرفوا.
سراقة بن مالك.. مطاردة انتهت بوعد نبوي بالتاج
أعلنت قريش عن جائزة مالية ضخمة لمن يعثر على محمد صلى الله عليه وسلم.
فانطلق سراقة بن مالك على فرسه يطارد النبي، لكنه كلما اقترب، غاصت أقدام فرسه في الرمال، رغم أن الأرض صلبة، وكانت هذه معجزة دعا بها النبي عليه.
فلما خاف سراقة، طلب الأمان، فعفا عنه النبي وكتب له كتاب أمان بخط يده. ووعده، يومها، بقوله:
“كيف بك يا سراقة إذا لبست سوارَي كسرى؟”
وقد تحقق هذا بعد سنوات حين أسقط المسلمون الدولة الفارسية.
شاة أم معبد.. معجزة البركة في الضيافة
من المواقف الروحية المؤثرة في طريق الهجرة، مرور النبي بخيمة أم معبد الخزاعية في منطقة “قديد”، فسألها عن الطعام، فأخبرته أن لا طعام لديهم سوى شاة ضعيفة لا تدرّ لبنًا.
فطلب النبي أن يأتي بها، فمسح على ضرعها، ودعا الله، فامتلأ الضرع لبنًا، فحلب وشرب الجميع.
وقد روت أم معبد هذا الموقف، وأسلمت لاحقًا، وصار حديثها من الوثائق الحية للهجرة.
الوصول إلى قباء.. لحظة الفتح الجديد
بعد مسيرة امتدت لنحو أسبوع، وصل النبي إلى أطراف المدينة، وتحديدًا إلى منطقة قباء، حيث نزل في بيت عمرو بن عوف، وأقام هناك عدة أيام وبنى أول مسجد في الإسلام وهو مسجد قباء.
ثم أكمل المسير إلى المدينة المنورة، التي استقبلت النبي بأهازيج لا تزال تُردد حتى اليوم:
“طلع البدر علينا من ثنيات الوداع…”
وما إن استقر في المدينة، حتى بدأ في تنظيم المجتمع، وبناء الدولة، وتثبيت دعائم العدالة، والتعايش مع اليهود والمشركين وفق ميثاق المدينة، لتبدأ صفحة جديدة في تاريخ البشرية.
الهجرة في الميزان: دروس تتجدد عبر القرون
الهجرة ليست ذكرى عابرة، بل هي منهاج حياة، تعلمنا أن التوكل لا يعني التواكل، وأن المعجزة لا تلغي التخطيط، وأن النجاة تحتاج إلى عمل وأمل، وأن النصر يأتي بعد صبر وتضحية.
في كل محطة من محطات الهجرة تتجلى عناية الله، وتتأكد نبوة محمد، ويُرسم طريق النور الذي مشى عليه المسلمون في كل العصور.
الهجرة.. ميلاد الأمة ودرس الخلود
إن ذكرى الهجرة النبوية المباركة تظل واحدة من أعظم اللحظات التاريخية التي غيّرت مجرى التاريخ، وأسست لأعظم حضارة إنسانية عرفها العالم.
وليس غريبًا أن تكون هذه اللحظة بداية التقويم الإسلامي، فهي اللحظة التي انتقل فيها الإسلام من المحنة إلى المنحة، ومن الاضطهاد إلى الدولة، ومن الخفاء إلى الظهور.

