أمين اتحاد البرلمان الدولي: القيادات الدينية شريك أساسي في تعزيز التعاون العالمي

كتب: مصطفى علي
في رسالة حملت أبعادًا فكرية وإنسانية تتجاوز الأطر التقليدية للخطاب الديني والسياسي، أكد الأمين العام للاتحاد البرلماني الدولي، مارتن تشونغونغ، أن القيادات الدينية باتت تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز التعاون العالمي ونشر المعرفة المشتركة، وذلك خلال كلمة ألقاها عبر تقنية الفيديو كونفرانس، ضمن فعاليات الجلسة الافتتاحية للندوة الدولية الثانية التي تنظمها الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم بالتعاون مع دار الإفتاء المصرية.
الندوة، التي جاءت تحت عنوان: «الفتوى وقضايا الواقع الإنساني.. نحو اجتهاد رشيد يواكب التحديات المعاصرة»، فتحت نقاشًا واسعًا حول علاقة الخطاب الديني بقضايا الإنسان المعاصر، ودور الفتوى في مواجهة الأزمات الأخلاقية والاجتماعية التي يشهدها العالم.
القيادات الدينية في قلب المشهد العالمي
في كلمته، شدد تشونغونغ على أن القادة الدينيين لم يعودوا فاعلين محليين محصورين في نطاق مجتمعاتهم الضيقة، بل أصبحوا جزءًا أساسيًا من المشهد العالمي، لما لهم من تأثير عميق في تشكيل وعي المجتمعات وتوجيه السلوك الجمعي.
وأشار إلى أن القيادات الدينية تمتلك أدوات مؤثرة لا تقل أهمية عن أدوات السياسة والاقتصاد، وفي مقدمتها الخطاب الأخلاقي القادر على مخاطبة الضمير الإنساني، وبناء جسور من الفهم المشترك بين الشعوب، وتعزيز قيم التعايش والتسامح في عالم يشهد تصاعدًا غير مسبوق في الصراعات والانقسامات.
ثقة أخلاقية ومسؤولية مضاعفة
وأكد الأمين العام للاتحاد البرلماني الدولي أن القادة الدينيين يحملون ثقة مجتمعاتهم الأخلاقية، وهي ثقة تفرض عليهم مسؤولية مضاعفة في توجيه الناس بالحكمة والنزاهة، لا بالتحريض أو الإقصاء.
وأوضح أن تأثير الخطاب الديني قد يكون عامل تهدئة وبناء إذا استند إلى اجتهاد رشيد وفهم عميق للواقع، لكنه قد يتحول إذا أسيء استخدامه إلى أداة لتغذية الكراهية والعنف والانقسام. ومن هنا، شدد على أن دعم القيادات الدينية وتدريبها أصبح ضرورة ملحّة، وليس خيارًا ثانويًا.
التدريب وبناء القدرات.. خط الدفاع الأول ضد التطرف
وفي واحدة من أبرز رسائل كلمته، أكد تشونغونغ أن الاستثمار في تدريب القادة الدينيين وتأهيلهم علميًا وفكريًا هو خط الدفاع الأول في مواجهة خطاب الكراهية والتطرف.
وأشار إلى أن هذا التدريب لا يقتصر على الجوانب الفقهية أو الدينية التقليدية، بل يمتد ليشمل:
فهم التحولات الاجتماعية والإنسانية المعاصرة
إدراك تعقيدات الواقع العالمي وتنوع الثقافات
التعامل الواعي مع وسائل الإعلام والمنصات الرقمية
القدرة على مخاطبة الشباب بلغة العصر
مؤكدًا أن الهدف النهائي هو أن يكون تأثير القادة الدينيين محفزًا للانسجام والوئام المجتمعي، لا سببًا للانقسام والصدام.
السلطات الدينية كجهات مؤسسية عالمية
ووصف الأمين العام للاتحاد البرلماني الدولي السلطات الدينية بأنها جهات مؤسسية عالمية، تتحمل مسؤولية فريدة لا تشاركها فيها أي مؤسسة أخرى، نظرًا لما تمتلكه من شرعية معنوية وتأثير روحي يتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
وأوضح أن هذه السلطات، بحكم موقعها، مطالبة بدور نشط في:
تعزيز السلام المجتمعي
دعم جهود المصالحة الوطنية والدولية
نشر ثقافة التفاهم بين الأديان والشعوب
مواجهة الخطابات المتطرفة التي تستغل الدين لأهداف سياسية أو عنفية
التعاون الدولي بين المؤسسات الدينية والبرلمانية
وأكد تشونغونغ أن التعاون بين المؤسسات الدينية والهيئات البرلمانية الدولية يمثل مسارًا استراتيجيًا لمواجهة التحديات العالمية، خاصة تلك المتعلقة بالنزاعات، والهجرة، والفقر، والتهميش، والتطرف العنيف.
وأشار إلى أن الاتحاد البرلماني الدولي، باعتباره منصة عالمية تجمع برلمانات العالم، يرى في الشراكة مع المؤسسات الدينية المعتدلة عنصرًا مهمًا لتحقيق هدف مشترك يتمثل في خدمة رفاهية المجتمعات، وتعزيز القيم الإنسانية الجامعة.
الفتوى والواقع الإنساني.. عنوان يحمل دلالات عميقة
وتأتي كلمة الأمين العام للاتحاد البرلماني الدولي متسقة مع عنوان الندوة، الذي يركز على العلاقة بين الفتوى وقضايا الواقع الإنساني، في ظل عالم يشهد تحديات أخلاقية معقدة، تتطلب اجتهادًا واعيًا يوازن بين النص والمقاصد، وبين الثوابت والمتغيرات.
ويرى مشاركون في الندوة أن هذا الطرح يعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا لأهمية تجديد الخطاب الديني، ليس من منطلق التفريط، بل من منطلق الترشيد والمسؤولية، بما يضمن أن تظل الفتوى أداة إصلاح وبناء، لا وسيلة صراع أو استقطاب.