الرئيسيةعرب-وعالم

بعد سرقة اللوفر: هل أضحت باريس مسرحًا للجريمة المنظمة؟

تقرير: مروة محي الدين

المكان: باريس- متحف اللوفر: أعرق متاحف العالم

الزمان: صباح الأحد 20 أكتوبر 2025

الحدث: سرقة مجوهرات لاتقدر بثمن، من أهم قاعات المتحف

الفاعل: عصابة من 4 لصوص ملثمين

الموقف: مازال البحث جاريًا عن المجوهرات فيما ألقت السلطات القبض على عدد من المشتبة بهم، تأكد مشاركة أحدهم في الجريمة.

وهكذا أصبح المتحف العريق، في عاصمة النور ساحة لمشهد أقوى من مشاهد سينما هوليود، لكنه هذه المرة على أرض الواقع، في حادث وصف مبدئيا بالجريمة المنظمة، حيث تمكن اللصوص من اقتحام المتحف، وتنفيذ السرقة، ثم الخروج منه، قبل أن يلوذوا بالفرار في 7 دقائق فقط، قبل أن تستوعب أجهزة الأمن أو حراسة المتحف حقيقة ما يحدث.

مفاجأة في تحقيق سرقة اللوفر.. مجرمون هواة وراء العملية!

وذلك قبل أن تؤكد “لور بيكو”- المدعية العامة في باريس: أن اللصوص مجموعة من المجرمين الصغار، حديثي العهد بالإجرام، حيث تركوا أدواتهم داخل المتحف بينما يلوذون بالفرار، وأغفلوا إحراق شاحنة الرافعة قبل الهرب، فكانت مفتاح العثور على أحد الجناة، عبر الحمض النووي الموجود فيها، قبل أن تقبض السلطات على 7 من المشتبة بهم، بين المتورطين بشكل مباشر أو غير مباشر، اعترف اثنين منهم جزئيا، بينما أفرج عن 3 منهم، بسبب عدم ثبوت الاتهامات عليهم.

يذكر أن هذا الشهر، تحل فيه الذكرى المئوية لوفاة “فينتشنزو بيروجيا”- لص الموناليزا، الذي كان عامل زجاج، وانتهز فرصة إغلاق المتحف، وفك اللوحة قبل أن يزيل زجاجها، ويطويها ويخفيها تحت معطفه، كذلك فإن القاعة مسرح الجريمة قد تعرضت للسرقة عام 1792، حين تسلق لصوص الواجهة وكسروا النوافذ، مستهدفين سرقة جواهر التاج الفرنسي.

مشهد السرقة

الجريمة التي كانت منظمة بدقة كبيرة، بدأت بشاحنة مزودة برافعة توقفت بجواره، على جانب رصيف نهر السين، بالإضافة إلى دراجتين بخاريتين من طراز (TMax)؛ وما لبثوا أن تحركوا بالرافعة إلى أعلى، حتى نافذة قاعة “أبولون”، في الطابق الأول من المتحف، فحطموها باستخدام منشار كهربائي، ودخلوا القاعة.

وخلال لحظات، كانوا يهاجمون معرضي نابليون والسيادة، اللذين يضمان مجوهرات التاج الفرنسي، ثم حطموا واجهتين زجاجيتين، يفترض أنهما تتمتعان بحماية عالية، قبل أن يسرقوا المحتويات داخلهما؛ وقبل أن يفيق أمن المتحف من صدمتهم، كان اللصوص يهددونهم، ليفتحوا أمامهم طريق الخروج من مدخل المتحف، حيث كانت الدراجتان البخاريتين تنتظرهما، ليفروا بسرعة خاطفة، نحو الطريق السريع A6.

المسروقات

 

سرقة متحف اللوفر.. مجوهرات لا تُقدّر بثمن خلال عملية استغرقت 7 دقائق فقط

تمكن اللصوص في تلك الجريمة من سرقة 8 قطع من المجوهرات التاريخية، التي “لا تقدر بثمن”، بالنظر لقيمتها التراثية، من بينهما: (عقد الملكة “ماري-أميلي” من الياقوت الأزرق، وهو عقد مرصع بعدد 8 أحجار ياقوت أزرق و631 ماسة؛ وعقد من طقم الإمبراطورة “ماري لويز”، مصنوع من الزمرد، بعدد 32 حجر زمرد و 1138 ماسة؛ بالإضافة لقطع أخرى من بينها: قلادة وبروش).

وقد فشلت العصابة في سرقة تاج الإمبراطورة “أوجيني”، المرصع بحوالي 2000 ماسة، حيث سقط منهم، بينما يلوذون بالفرار، لتتمكن عناصر الأمن من استردادة، على الرغم من الضرر الذي لحق به، ما كانت له دلالته لدى سلطات التحقيق، أن الجناة محض هواة حيث فقدوا أغلى قطعة من المسروقات، كما أنه من المثير لدهشة المراقبين، أنهم لم يسرقوا ماسة “ريجنت” الشهيرة، وهي أكبر ماسة في المجموعة، التي تزن أكثر من 140 قيراطا.

أين ذهبت المسروقات؟

تتصاعد المخاوف من الإجابة على هذا التساؤل، لاسيما مع عدم التمكن من الوصول لأي من المسروقات حتى الآن، في ظل تأكيدات أن ثلاثة من المشتبة بهم، على الأقل، ممن نفذوا الهجوم، دون أن يجدوا لديهم شيئا من المسروقات، ما يعضد الفرضية المرعبة التي رجحتها “بيكو”، في أول الأمر: أن السارقين قد يلجأوا إلى تفكيك المجوهرات، لاستخدام الأحجار الكريمة في عمليات غسل الأموال.

ما دفع الخبراء للتحذير من تعرض المسروقات للتفكيك والتذويب لطمس هويتها، وإعادة بيع الذهب فيها والأحجار الكريمة بالتجزئة في السوق السوداء، حيث يصعب بيعها كقطع كاملة بسبب شهرتها العالمية. وقد يتم صهر الذهب الموجود فيها، وبيع الأحجار الكريمة بشكل منفصل في السوق السوداء.

ثغرات فاضحة

كشفت عملية السرقة التي بدت مخططة بعناية، ومنفذة بدقة فائقة، لأحد أعرق المتاحف في العالم، عن ثغرات فادحة في نظم الأمن فيه، جاء على رأسها: النقص الشديد في كاميرات المراقبة: فقد خلت ثلث الغرف في قسم “دينون”- الذي وقعت فيه الحادثة- تمامًا من كاميرات المراقبة، كما خلت ثلاثة أرباع غرف قسم “ريشليو” منها، حسب تقرير لمحكمة الحسابات الفرنسية.

كذلك على مدار خمس سنوات مضت، تقاعست سلطات المتحف عن تركيب كاميرات مراقبة إضافية، فلم يزد مجمل ما تم تركيبه خلال تلك الفترة عن 138 كاميرا، ما جعل غرف المتحف المجهزة بأنظمة مراقبة، تقل عن الثلث، وذلك على الرغم من الميزانية السنوية الكبيرة المرصودة للمتحف.

وهو ما جعل “جيرالد دارمانان”- وزير العدل الفرنسي- يرى في الحادثة فشل كبير للحكومة، حيث لم تكن الإجراءات الأمنية بالمتحف، في المستوى المطلوب لمنع وقوع الجريمة، فيما تعهد الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” باسترداد المسروقات، ومحاسبة السارقين، معتبرا الجريمة اعتداء على التراث والتاريخ الفرنسي؛ بينما هاجم حزب “التجمع الوطني” اليميني المتشدد الحكومة معتبرا ما حدث: إهانة لا يمكن تحملها.

عصابات منظمة

مع تأكيد “لور”: أن واحد على الأقل من مرتكبي الجريمة لم يتم الوصول إليه، مع وجود احتمالات بوجود آخرين بعيدا عن يد السلطات، كان الاتهام الموجه للمشتبه بهم: “السرقة ضمن عصابة منظمة”، و”تشكيل عصابة أشرار”.

وقد عزى الدكتور “محمد الألفي”- خبير الاقتصاد السياسي المقيم في باريس- في تصريحات خاصة لليوم، قدرة العصابات على اختراق المنظومة الأمنية، للتطور الكبير في إمكانياتها، فقال: “تلاحق الأجهزة الأمنية تطور الجريمة، في كل اتجاه، لكن دوائر الجريمة المنظمة تضم عناصر محترفة، في مجالات متعدده منها التكنولوجيا ومن هنا تقابل كل محاولات الأمن بتطورات متشعبة في بنيتها وإمكانياتها”.

وأضاف: “والمثال على تطور العمل الإجرامي: جريمة اختراق مجموعة من القراصنة الإلكترونيين شبكة توزيع النفط في الولايات المتحدة، منذ فترة بعيدة، ليستطيعوا إخضاع الدولة العظمى، فتدفع لهم مقابل فك التشهير بعملة البتكوين، ما يؤكد أن تطور الجريمة المنظمة في العالم مرعب”.

باريس والجريمة المنظمة

خلال الشهرين الماضيين، تعرضت 4 متاحف فرنسية للسرقة، آخرها كان سرقة 6 قطع ذهبية، من متحف التاريخ الطبيعي في باريس، تمت إذابتها وإعادة بيعها؛ وعقب سرقة اللوفر مباشرة، سرقت بعض القطع الأثرية والعملات الذهبية والفضية، من متحف دار دينيس ديدرو؛ ما يعطي مؤشرا مخيفا عن تطور الجريمة المنظمة في عاصمة النور.

وحيال ذلك، يقول “الألفي”: “في الآونة الأخيرة، كثرت الأحداث المثيرة للريبة، وعلى سبيل المثال: تعرضت كبرى متاجر المجوهرات الأكثر شهرة عالميا للسرقة في وضح النهار؛ كما تمت سرقة مجوهرات بقيمة 8 مليون دولار تقريبا من كيم كارداشيان، في وضح النهار، خلال إجازة كانت تزور فيها العاصمة الفرنسية وغيرها؛ مع ملاحظة أنه لم يتم التوصل لمرتكبي تلك الجرائم، وتوقفت كاميرات الشارع، فلم يوجد للمسروقات أثر كأنها تبخرت”.

الأمر الذي دفع السلطات الفرنسية هذه المرة، لتكليف 60 محققاً، من فرق متخصصة في مكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالممتلكات الثقافية، لمتابعة الجريمة الأخيرة.

لكن فكرة انتشار الجريمة المنظمة في عاصمة النور، تطرح التساؤلات عن حالة الأمن فيها، وتأثير ذلك على الحياة العادية للناس، وهو ما وضحه خبير الاقتصاد السياسي، قائلًا: “بالنسبة لأمن الشارع فالحياة طبيعية، إلا من تلك التخوفات المتصاعدة من نشوب حرب مفاجئة في أوروبا، دفعت الناس إلى تخزين الأموال النقدية و الطعام الجاف؛ لكن عصابات الجريمة المنظمة تحدد أهدافها بدقة، على تلك الأكثر جدوى، وليست أهدافًا عشوائية على الإطلاق”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى