تقارير-و-تحقيقات

تحركات عاجلة لغلق أوكار «الثقوب السوداء» أسفل الكباري وتحويلها لمساحات آمنة

تقرير – آيــة زكـي

تحولت المساحات الخالية أسفل بعض الكباري إلى ما يُعرف بـ”الثقب الأسود”التي تبتلع حياة الهاربين من القانون وتجمع بين المتسولين والمتعاطين وممارسي أعمال منافية للآداب.

ورغم أن المشهد أعلى الكوبري يبدو عاديًا: سيارات تمر وضجيج لا يتوقف، إلا أن الواقع أسفله مختلف تمامًا، إذ تتشكل بؤر خفية تحكمها قوانين خاصة، يدفع فيها المال مقابل «حق المبيت»، ويستغل فيها الأطفال والنساء أبشع استغلال.

هذه الصورة المأساوية دفعت الأجهزة التنفيذية بمحافظة الجيزة مؤخرًا لإصدار قرارات عاجلة بغلق جميع المساحات أسفل الكباري، وتحويلها إلى مشروعات خدمية أو ساحات انتظار وحدائق عامة، لمنع تحولها إلى أوكار للجريمة.

جولة ميدانية تكشف عالمًا خفيًا

في جولة رصدتها «اليوم» أسفل أحد الكباري بمنطقة الهرم ، بدت ملامح عالم غامض تتجاور فيه الفوضى مع الخطر. شباب وفتيات في أعمار مختلفة يتقاسمون جرعات مخدرات، وآخرون يتفاوضون على تبادل ملابس أو ولاعات مقابل سيجارة أو نصف علبة دواء، بينما يقف بعض «الفتوات» لفرض الإتاوات على الداخلين مقابل السماح لهم بالمبيت.

الأخطر أن المبيت تحت الكوبري له تسعيرة تصل إلى 200–300 جنيه لليلة الواحدة، ومن يعجز عن الدفع يجد نفسه مجبرًا على تقديم جسده أو العمل في التسول لحساب العصابات المسيطرة.

وعلى مقربة من محطة مترو البحوث، رصدنا تجمعات لشباب وفتيات يجلسون القرفصاء يتقاسمون سيجارة ملفوفة يدويًا، وإلى جوارهم علب معدنية وسرنجات مستعملة، مشهد بدا أقرب إلى فيلم سينمائي منه إلى واقع يومي يحدث في قلب العاصمة.

قال أحد أصحاب الأكشاك المجاورة رفض ذكر اسمه لـ«اليوم »: المنطقة دي بقت مرعبة بالليل، فيه شباب وبنات شايلين مطاوي، واللي يعدي ممكن يتعرض لهجوم في لحظة. إحنا كنا بنخاف نقفل محلاتنا متأخر.

بينما أكد أحد السائقين الذين يترددون على المنطقة: لو العربية عطلت بالليل تحت الكوبري أو قريب منه، تبقى حياتك في خطر، مؤكدًا أن فيه ناس بتتعرض للسرقة بالإكراه.

مصدر بالتنمية المحلية : استغلال المساحات أسفل الكباري بشكل حضاري

ومن جانبه، كشف مصدر مسؤول بوزارة التنمية المحلية، أن الوزارة تضع ملف استغلال المساحات أسفل الكباري ضمن أولوياتها خلال الفترة الحالية، خاصة بعد تزايد شكاوى المواطنين ورصد تقارير ميدانية أظهرت استغلال هذه المساحات في أنشطة غير مشروعة تهدد أمن وسلامة المجتمع.

وأوضح المصدر في تصريحات لـ” اليوم“، أن الوزارة نسّقت مع المحافظات والأجهزة التنفيذية لإغلاق جميع البؤر العشوائية أسفل الكباري بشكل عاجل، مؤكدًا أن الدولة لن تسمح بتحول هذه المناطق إلى أوكار للجريمة أو ملاذ للخارجين عن القانون.

وأضاف المصدر التوجه العام هو الاستفادة من هذه المساحات بصورة حضارية تعود بالنفع على المواطنين، سواء بتحويلها إلى ساحات انتظار للسيارات، أو أسواق حضارية منظمة، أو مساحات خضراء وحدائق عامة، أو مشروعات خدمية توفر فرص عمل وتحقق عائدًا اقتصاديًا.

وأشار المصدر إلى أن وزارة التنمية المحلية تتابع مع المحافظات تنفيذ هذه الخطة أولًا بأول، وتعمل على إزالة أي مظاهر عشوائية فور ظهورها، مع التنسيق الكامل مع وزارة الداخلية لضمان فرض الانضباط وعدم عودة المشكلة مرة أخرى.

وأكد المصدر المسؤول على أن الهدف من هذه الإجراءات لا يقتصر على مواجهة الجريمة فقط، بل يمتد إلى تحسين المشهد الحضاري للمدن المصرية ورفع جودة الحياة في الأحياء، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية.

القانون يواجه الظاهرة

و في سياق متصل، أكد أيمن محفوظ الخبير القانوني، أن ما يعرف إعلاميًا “بالثقوب السوداء” يمثل تهديدًا خطيرًا للأمن العام، ويتطلب تدخلًا قضائيًا وأمنيًا عاجلًا، موضحًا أن القوانين المصرية كافية لمواجهة تلك الظواهر في حال تطبيقها بحسم.

وقال محفوظ في تصريحات خاصة لـ” اليوم “، التسول يجرمه القانون 49 لسنة 1933 بعقوبة تصل إلى سنة حبس، أما جرائم المخدرات فيطبق عليها القانون 182 لسنة 1960 وتصل العقوبات إلى الإعدام في قضايا الاتجار، بينما الجرائم المنافية للآداب تخضع للقانون 10 لسنة 1961 الذي يعاقب بالحبس حتى خمس سنوات.

وأكدت الخبير القانوني، أن هذه الظواهر ليست قاصرة على القاهرة وحدها، لكنها تنتشر في مناطق شعبية أخرى، لافتة إلى أن الحملات الأمنية المتكررة حققت نجاحًا ملموسًا، غير أن الحل الجذري يتمثل في استغلال تلك المساحات بدلًا من تركها فراغات تستقطب الخارجين عن القانون.

في مواجهة هذه الكارثة، أعلنت الأجهزة التنفيذية بالمحافظة الجيزة غلق واستغلال جميع المساحات أسفل الكباري الحيوية وتحويلها إلى ساحات انتظار وحدائق عامة ومشروعات خدمية، مؤكدة أن القرار جاء استجابة للتقارير الميدانية التي رصدت حجم الخطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى