“توت عنخ إمن” اكتشاف الغامض يثير الجدل

كتبت: نجوى صلاح
في واحدة من أعظم لحظات الاكتشاف الأثري في التاريخ الحديث، يقف أسم اللورد كارتر محفورا في ذاكرة العالم بعدما نجح عام 1922 في اكتشاف مقبرة المللك الذهبي ” توت عنخ إمن”، لكن لم يكون معروفًا ما دونه اللورد كارتر من اعترافات وتفاصيل إنسانية ومهنية.
المؤرخ بسام الشماع عضو الجمعية المصرية للدرسات التاريخية، يكشف تفاصيل حديث اللورد كارتر لهيئة الإذاعة البريطانية عن رحلة اكتشاف مقبرة اللملك الذهبي “توت عنخ إمن”.
وأوضح المؤرخ أن هيئة الإذاعة البريطانية نشرت مقطع عام 1936، يصف عالم الآثارهوارد كارتر اللحظة التي أصبح فيها هو وفريقه في 12 فبراير 1924، أول أشخاص منذ 3300 عام يلتقون بالملك المصري الصبي” توت عنخ إمن”.
قال: “لقد مرّت ثلاثة وثلاثون قرناً منذ أن وطأت أقدام البشر آخر مرة الأرضية التي كنا نقف عليها”، ومع ذلك كانت علامات الحياة الحديثة تحيط بنا.”
وأضاف أنه وبعد تسعين عاماً، يبدو صوت هوارد كارتر الإنجليزي المقتضب وكأنه هو نفسه أثرٌ قديم، عندما تحدث في راديوعام 1936، كان قد مرّ 14 عاماً منذ أن كشف لأول مرة المقبرة الغنية بكنوز توت عنخ إمن.
وخلال برنامج يستعرض أحداث عام 1924، استحضر الإحساس الغامض الذي شعر به في ذلك اليوم عندما وصلوا أخيراً إلى التابوت الحجري للملك، حيث ظل جسده راقداً دون مساس لآلاف السنين.
وقال: كنا قد اخترقنا حجرتين، لكن عندما وصلنا إلى مزار ذهبي بأبواب مغلقة ومختومة، أدركنا أننا على وشك مشاهدة منظر لم يُمنح أي إنسان في عصرنا شرف رؤيته.
أزال الختم الثمين وفتح الباب ليكشف عن مزار ثانٍ “أكثر روعة في الصناعة من السابق”.
وعندما فُتح الباب ببطء، واجهه تابوت ضخم من الكوارتزيت الأصفر ولم يكن هناك سبيل للتقدم دون رفع غطائه الحجري الذي كان يزن حوالي 1130 كيلوجرام، شاهد جمهور من كبار الشخصيات والوجهاء نظاماً معقداً من البكرات يرفع الغطاء, وعندما أزاله كارتر أضاء الضوء داخل التابوت.
قال: “انطلقت من شفاهنا شهقة دهشة، فقد كان المنظر رائعاً إلى حد مذهل، تمثال ذهبي للملك الشاب بإتقان مذهل ملأ الداخل بالكامل، ولم يكن هذا سوى غطاء لثلاثة توابيت متداخلة، الواحد داخل الآخر، تحيط بالبقايا الجسدية للملك توت عنخ إمن”، وأضاف: “حيوانات غريبة، تماثيل، ذهب في كل مكان بريق الذهب.
أستطرد قائلاً : رغم أن كارتر أصبح صاحب واحد من أعظم الاكتشافات الأثرية في العالم، فقد ترك المدرسة في سن الخامسة عشرة ولم يتلقَّ تدريباً رسمياً، وبفضل موهبته في الرسم، احتضنته عائلة أرستقراطية محلية كانت تمتلك أكبر مجموعة خاصة من الآثار المصرية في بريطانيا، مما أثار شغفه بالحضارة المصرية.
وفي سن السابعة عشرة، حصل على عمل في مصر كرسام ومُتتبع أثري. وعلى مدى أكثر من عقدين، تعلم العمل الميداني أثناء التنقيب في وادي الملوك دون نجاح يُذكر.
كان مدخل المقبرة مخفياً بطبقات من الردم القديم، مما أبعده عن اللصوص وعلماء الآثار على حد سواء وجاء الاختراق الكبير في نوفمبر 1922 عندما رفع كارتر شمعة ونظرعبر ثقب صغير في الباب سأله مموله اللورد كارنارفون: “هل ترى شيئاً؟”
فأجاب كارتر عبارته الشهيرة: “نعم، أشياء رائعة ”
وكتب في مذكراته: “ومع تأقلم عيني مع الضوء، بدأت تفاصيل الغرفة تظهر ببطء من الضباب حيوانات غريبة، تماثيل، ذهب في كل مكان بريق الذهب”
كان توت عنخ إمن، الحاكم الحادي عشر للأسرة الثامنة عشرة، في نحو السابعة عشرة من عمره عندما توفي.
وكان اكتشاف نوفمبر 1922 مجرد البداية، إذ استغرق الوصول إلى التابوت 15 شهراً إضافياً، وعندما نشرت صحيفة التايمز سبقها الصحفي عن الاكتشاف “الأكثر إثارة في القرن”، بدأت ظاهرة الهوس بتوت عنخ إمن.
واجتاحت موجة “المصريات” العالم في عشرينيات القرن الماضي، فأثرت في الموضة وفن الآرت ديكو والأفلام الصامتة وموسيقى الجاز، وأصبح كارتر وكارنارفون من المشاهير عالميا.
لكن بعد أشهر قليلة، توفي كارنارفون بسبب تسمم دموي إثر لدغة حشرة
ومع ذلك، تم تجاهل العالم دور كثير من المصريين الذين ساهموا بخبرتهم ومعرفتهم المحلية فقد عمل كارتر مع عمال ومشرفين مهرة مثل: أحمد جريجر
جاد حسن، حسين أعود، حسين أحمد سعيد، والطفل حسين عبدالرسول الذي كشف عن أول حجر للمقبرة.
ومن بين المكتشفات أيضاً بوقان، أحدهما فضي والآخر برونزي، ظهرا في برنامج إذاعي استثنائي للهيئة. عام 1939
وستكملا قائلآ: أنه تم إقناع مصلحة الآثار المصرية بالسماح ببث صوت لم يُسمع منذ ثلاثة آلاف عام، كان البوق البرونزي الموجوداً في الحجرة الأمامية داخل صندوق عسكري، بينما عُثر على الفضي في حجرة الدفن. وكلاهما منقوش بزخارف لآلهة مصرية مثل: رع-حرآختي، بتاح ـ إمن، اما البوق الفضى فمزخرف بزخارف زهرة اللوتس وألقاب الملك.
عُزف البوقان أمام جمهور عالمي يُقدر بـ 150 مليون مستمع، وكان العازف “جيمس تابيرن” ورغم صعوبة العزف عليهما، خرج الصوت واضحاً ومؤثرا،ً
واختتم المذيع البرنامج قائلاً: “بعد صمت دام أكثر من 3000 عام، انطلق صوتا مصر المجيدة” يترددان في أرجاء العالم، لكن كارتر لم يعش ليسمع البث، إذ توفي بالسرطان قبل أسابيع عن عمر 64 عام.
جدير بالذكرأن طول البوق الفضي يبلغ 57.2 سم، أما البرونزي فأقصر بنحو 7.6 سم، وقد جعل حجم الفوهة الكبير العزف عليهما صعباً، مما اضطر العازف لاستخدام فوهة حديثة.
وأشار الباحث جيريمي مونتاجو إلى أن البوق البرونزي مصنوع من صفائح نحاسية ملحومة بعناية، بينما الجرس مصنوع من سبيكة ذهبية رقيقة تشبه الإلكتروم، وربما لم يكن يستخدم إلا لإصدار نغمة واحدة للإشارات الإيقاعية
وعادت “توت مانيا” من جديد في سبعينيات القرن الماضي مع معرض كنوز توت عنخ إمن، الذي جذب أكثر من 1.6 مليون زائر في المتحف البريطاني عام 1972.
