جريدة اليوم .. الحلقة “5” من برنامج “أيامًا معدودات” الحكمة والغاية من الصيام مع الدكتور علاء الغريزي

في الحلقة الخامسة من برنامج “أيامًا معدودات”، نستعرض معكم من خلال جريدة وموقع اليوم تفاصيل موضوع “الحكمة والغاية من الصيام” مع الدكتور علاء الغريزي.
يناقش الدكتور الغريزي المعاني العميقة وراء فرضية الصيام، وكيف أن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو وسيلة لتحقيق التقوى ومراقبة الله في كل أمور الحياة. تابعوا معنا تفاصيل الحلقة لمعرفة أسرار هذه العبادة العظيمة وتأثيرها على سلوك الإنسان ومكانته عند الله.
الحلقة الخامسة: الحكمة والغاية من الصيام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، النبي الخاتم، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، فكانت حياته نورًا وهدىً للزمان. يا سيدي أبا الزهراء، جُعلت حياتك ربيعًا، ونُشر بشراك في الأنام مشرّعًا، حين ضمك جبريل قائلًا: “اقرأ”، فحملت رسالة الهداية إلى البشرية. صلى الله عليك يا أبا القاسم، وعلى آل بيتك الطاهرين، وأصحابك الأبرار، وأزواجك وذريتك، ومن اتبع نهجك إلى يوم الدين.
حكمة الله في التشريع
الله سبحانه وتعالى من أسمائه “الحكيم”، فهو صاحب الحكم والكمال المطلق. كل ما شرعه لنا إنما هو لحكمة عظيمة، بعضها ظاهر لنا وبعضها قد لا ندركه إلا بالتدبر والتأمل في آياته. ومن أعظم ما يجب أن نتدبره هو الصيام، فقد ورد في كتاب الله:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]
فالتدبر يعني النظر العميق في المعاني، وهو أكثر من مجرد القراءة. إذ أن المطلوب ليس فقط قراءة النص، بل التأمل في معانيه والعمل به. وهذا يقودنا إلى تدبر الحكمة من فرضية الصيام.
الغاية من الصيام
يقول الله تعالى في سورة البقرة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]
فالسؤال هنا: لماذا فرض الله الصيام؟ هل أراد الله أن يعذبنا بالجوع والعطش؟ حاشاه. هل فرضه فقط لكي نشعر بالمحتاجين؟ لو كان ذلك هو السبب الوحيد، لأعفى الفقراء من الصيام وفرضه فقط على الأغنياء. إذن، ما الحكمة الحقيقية من الصيام؟ الجواب في الآية: “لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”.
التقوى: الغاية العظمى للصيام
التقوى ليست مجرد الخوف من الله، بل هي مراقبته في كل تصرف، والتزام أوامره واجتناب نواهيه. هناك فرق بين التقوى والخشية، فالله تعالى يقول:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52]
وجود حرف “الواو” بين “يخش” و”يتقه” يدل على التمايز بينهما، فالخشية تتعلق بالخوف من عقاب الله على الذنوب التي ارتكبناها في الماضي، بينما التقوى تعني الحذر والبعد عن المعاصي قبل وقوعها.
وقد وضّح ذلك سيدنا عمر بن الخطاب عندما سأله رجل عن معنى التقوى، فقال له: “هل مشيت يومًا في طريق مليء بالشوك؟”، فقال الرجل: “نعم”، فسأله: “ماذا فعلت؟”، قال: “شمرت ثوبي وتحريت موضع قدمي”، فقال عمر: “ذلك هو التقوى”. أي أنك تسير بحذر، مجتنبًا المعاصي التي قد تعترض طريقك.
لماذا كان الصيام وسيلةً لتحقيق التقوى؟
قد يتساءل البعض: لماذا لم تكن الصلاة أو الزكاة أو بر الوالدين هي التي تحقق التقوى بنفس الدرجة؟ والجواب أن الصيام هو العبادة التي تأخذ بيدك مباشرة إلى التقوى، لأنه يجعلك تمارس المراقبة الذاتية في أدق تفاصيل حياتك اليومية.
- الصيام يجعلك تمتنع عن الأكل والشرب رغم توفرهما، لأنك تراقب الله.
- يجعلك تغض بصرك عن المحرمات وأنت تسير في الشارع.
- يجعلك تمتنع عن العلاقة الزوجية في النهار رغم أن لا أحد يراك، إلا الله.
- يجعلك تحذر من دخول قطرة ماء إلى فمك وأنت تتوضأ، خشية أن يفسد صيامك.
- حتى النساء أثناء إعداد الطعام يمتنعن عن تذوقه، ليس لعدم الجوع، ولكن لمراقبة الله.
هذه التفاصيل الدقيقة ترسّخ التقوى في النفس، فتجعل الإنسان يعتاد مراقبة الله في كل أوقاته، حتى بعد رمضان.
ثمرات التقوى في الدنيا والآخرة
فضل التقوى عظيم، فهي سبب للرزق وتيسير الأمور، كما قال الله تعالى:
- ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]
- ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]
- ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: 31]
فالتقوى هي مفتاح النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، وهي الغاية الحقيقية من الصيام، ليظل المسلم في حالة من المراقبة والخشية والطاعة لله، حتى بعد انقضاء شهر رمضان.
ختام الحلقة
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتقين، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. اللهم ارزقنا التقوى في السر والعلن، واجعلنا من عبادك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.