الإنشاد الديني حين يتحدث الناس.. فن يستعيد بريقه

أحمد فؤاد عثمان
في زمن تشتد فيه الضوضاء وتتضاعف فيه الشاشات والمحتويات، يلفت النظر أن يعود الإنشاد الديني بقوة إلى الساحة الفنية والاجتماعية.
عودةٌ لم يصنعها المنشدون وحدهم، بل شارك فيها الناس… جمهورٌ يبحث عن السكينة وسط الصخب، وآخر يتساءل:
هل ما نسمعه اليوم هو الإنشاد الحقيقي أم نسخة عصرية فقدت روحها؟
الإنشاد الديني بين الحل والحرمة… أين تتوقف حدوده وأين يبدأ التجاوز؟
. المبالغة في الأوصاف… كيف تحوّل بعض النصوص الإنشادية من مدح مشروع إلى غلو مرفوض؟
بين محبّ ومتحفّظ، يظهر الإنشاد كفنٍّ يثير نقاشًا واسعًا، وتحول من “موروث تراثي” إلى موضوع جدل يومي على منصات التواصل وفي الجلسات العامة.
من الشارع إلى المقاهي: كيف يرى الناس الإنشاد؟
قمنا بجولة ميدانية في عدة مناطق، واستطلعنا آراء شرائح مختلفة من الجمهور… أصوات متنوعة، بعضها متحمس، وبعضها متسائل، وبعضها يرى أن الإنشاد يحتاج إلى ضبط.
رأي الشباب… “بنسمعه لأنه بيهدّي النفس”
يقول محمد عبد الرحمن، شاب جامعي:
“الصوت الحلو والكلمة الراقية بيريحوا الواحد… الإنشاد بيخليك تهدى بعيد عن أغاني المهرجانات والضوضاء.”
وترى الطالبة ريم عادل:
“أنا بدأت أسمع إنشاد لما شفت فيديوهات قصيرة على السوشيال… حسيت إن فيه روح مختلفة عن الأغاني.”
رأي الأمهات… “فن محترم نحبّه لأولادنا”
تقول أم أيمن:
“لو ابني هيغني، أفضل يغني إنشاد… فيه أدب واحترام وكلام نظيف.”
رأي كبار السن… “اللي كان زمان مش زي دلوقتي”
يقول الحاج عبد اللطيف:
“إحنا اتربينا على طوبار والتوني… دلوقتي في حاجات جميلة، بس في كمان مبالغة وصوت عالي زيادة.”
فئة أخرى متحفظة… “مش كل اللي بيتقال إنشاد!”
تقول سارة محمود:
“فيه ناس بتغني أغاني عادية ويحطوا عليها اسم إنشاد… دي مش أصالة، ده استغلال.”
ظاهرة اجتماعية… لماذا عاد الإنشاد بقوة؟
من خلال الحديث مع الجمهور وتحليل آرائهم، يظهر أن هناك أربعة أسباب رئيسية وراء هذا الانتشار:
الهروب من ضوضاء الأغاني التجارية
الكثيرون يرون في الإنشاد بديلًا هادئًا ونظيفًا.
الكلمة الراقية
الكلمة الطيبة لا تزال جذابة، خاصة في زمن يزداد فيه لغة الإسفاف.
السوشيال ميديا
منصات الفيديو القصير جعلت الإنشاد أسهل وصولًا، وأكثر انتشارًا.
عودة الاهتمام بالتراث والروحانيات
خاصة بين الشباب في المناسبات الدينية.
بين الحل والحرمة… أين يقف الإنشاد من الشرع؟
يُجمع علماء الشريعة على أن الأصل في الإنشاد الإباحة، فهو في جوهره كلام حسن يُتغنّى به بصوت حسن، ما دام بعيدًا عن المحظورات.
وتستند هذه الرؤية إلى مشاركة النبي ﷺ في الحداء واستماعه للمدائح، وإقراره لها في المسجد وفي المناسبات.
ويقوم الحكم الشرعي بحسب الفقهاء على ثلاثة عناصر رئيسية:
أولًا: المضمون
أن يخلو من الغلو والمبالغة، وأن لا يمس العقيدة أو يضفي صفات إلهية على البشر.
ثانيًا: النص
أن ينضبط بالشرع، بعيدًا عن الصيغ المبالغ فيها التي شاع بعضها في بعض النصوص المعاصرة.
ثالثًا: القالب والأداء
أن يُقدَّم بوقار يليق بطبيعته الروحية، بلا استعراض ولا إثارة ولا تقليد للغناء التجاري.
ويشير حرز إلى أن “التجاوزات التي نراها اليوم ليست من طبيعة الفن، بل مِن نصوص غير منضبطة أو أساليب أداء تحتاج إلى تقويم”.
رأي الخبراء… أين يقف الشرع من الإنشاد؟
يؤكد العلماء – ومنهم الدكتور محمد حرز إمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية أن الأصل في الإنشاد الإباحة ما دام منضبطًا بالمضمون والهدف.
فالانشاد الديني فن اسلامي عريق يجمع بين الكلمة والصوت ليحيي الايمان في النفوس، ليس مجرد غناء باهت بارد، بل اداة للدعوة والتذكير بالله وبالرسول صلى الله عليه وسلم.
والانشاد الديني: هو رفع الصوت بالشعر او الكلمات الطيبة مع تحسين وترقيق، يرتبط بالدين من جوانبه الروحانية. يشمل الثناء على الله، مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وصف الجنة والنار، او مواعظ اخلاقية.
يختلف عن الغناء العادي بانه خال من المعازف المحرمة، ويهدف الى التقرب لا الترفيه الفاضح. كما قال العلماء، هو “سماع مباح يروي النفس”، مستمد من السنة النبوية حيث استمع الرسول صلى الله عليه وسلم الى الانشاد في المسجد والاعياد.
فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم المشاركة فيه، ففي صحيح البخاري انه كان ينشد مع اصحابه:
تالله لولا الله ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
ان اولئك قد بغوا علينا
ان يطلبونا خطة ابينا
ويمد بها صوته، وكذلك كان ينشد في حفر الخندق:
اللهم لا عيش الا عيش الاخرة
فاغفر للانصار وللمهاجرة
وكان الصحابة ينشدون بين يديه صلى الله عليه وسلم:
نحن الذين بايعوا محمدا
على الجهاد ما بقينا ابدا
وكان ينشد في بناء المسجد:
هذا الحمال لا حمال خيبر
هذا اعز ربنا واطهر
وبدأ الانشاد مع الاسلام نفسه، مرتبطا بالاذان والتلاوة القرآنية. في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، انشد الصحابة مثل حسان بن ثابت وعامر بن الاكوع اشعارا في الجهاد وحفر الخندق، وكان الرسول يشجعهم قائلا: “انشدوا معي” (رواه البخاري).
ثم تطور في العصور اللاحقة مع التصوف والمدارس الانشادية في مصر والشام، حيث اصبح جزءا من السماع الروحي. في العصر الحديث، انتشر عبر الفضائيات واليوتيوب، مع فرق مثل الانشاد الديني في رمضان، واصبح بديلا عن الحفلات العادية في الاعراس.
والانشاد جائز شرعا بل اذا كان مضمونه طيبا، فهو سنة. بالضوابط الرئيسية:
- المحتوى: يجب ان يكون طيبا، يثني على الله او يحفز على الخير، خاليا من الفحش او الهجاء.
- الاداء: بدون آلات موسيقية محرمة (مثل العود)، ويجوز الدف في المناسبات. النساء لا ينشدن امام الرجال لتجنب الفتنة.
- السماع: مباح اذا روح عن النفس دون افراط، فالقرآن افضل، لكن الانشاد يشجع اذا احيا الايمان.
وان لا يشابه الحان اهل الفسق والمجون.
واما عن دوره المعاصر اليوم: يستخدم الانشاد في الدعوة الاعلامية، خاصة بين الشباب، ليحل محل الاغاني الفاسدة. يساعد في تعزيز القيم، لكنه يحتاج رقابة لتجنب الافراط او التشبه بالمطربين.
ويضيف حرز:
“الإنشاد فن روحاني أصيل… المشكلة ليست في الفن نفسه، بل في نصوص أو أساليب خرجت عن الوقار المطلوب.”
ويحدد الخبراء ثلاثة ضوابط أساسية:
- سلامة النص من المبالغة أو الغلو
- خلو الأداء من الإيحاءات أو التقليد الغنائي التجاري
- تناسب الصوت مع المقام الديني
ويرى حرز أن “المعاصرة مقبولة، ولكن على ألا تفقد الكلمة هيبتها.”
وفي الختام، الانشاد الديني جذوة ايمانية، يوقظ الفكر ويحيي القلوب، بشرط الالتزام بالشرع
أصوات ضد المبالغة… أين المشكلة؟
من خلال الحديث مع الجمهور، كانت هناك ملاحظات واضحة:
بعض المنشدين يرفعون الصوت بطريقة تشبه الغناء الصاخب
بعض الكلمات الجديدة لا تحمل نفس العمق التراثي
كثرة “الاستعراض” على المسرح تفقد الفن روحه
خلط الإنشاد بالموسيقى الثقيلة لا يناسب طبيعته الدينية
يقول حسام فتحي:
“أنا بحب الإنشاد… لكن لما بلاقي فيه إيقاع جامد وحركات، بحس إنه بيبعد عن معناه.”
الإنشاد في المواسم… من الموالد إلى الهواتف الذكية
يحضر الإنشاد بقوة في:
- المولد النبوي
- الإسراء والمعراج
- رمضان
- الاحتفالات الرسمية
- الزوايا والموالد الصوفية
- المسارح الكبرى
- حفلات الإنشاد المعاصر
- الفيديوهات القصيرة على الهواتف
بل بات جزءًا من الثقافة اليومية، وليس حكرًا على الاحتفالات الدينية.
الاتجاهين معا… الجمهور يريد الأصالة والتطوير
أراء الناس تكشف أن هناك اتجاهين:
الأغلبية:
“نريد إنشادًا جديدًا… لكن يحافظ على أصالته.”
أقلية:
“الأفضل أن يبقى كما كان… بلا تحديث.”
لكن الجامع بينهم:
أن الإنشاد فن راقٍ يجب الحفاظ عليه، بعيدًا عن الابتذال والاستغلال.
ختاما: صوت الناس هو الحكم
بعد استماع طويل لآراء الجمهور، ودراسة رؤية العلماء، يتضح أن:
الإنشاد الديني فنٌّ محبوب وحيّ
يحافظ على مكانته لأنه يخاطب الروح
يتسع الآن لجمهور جديد من الشباب
يحتاج إلى ضبط في الأداء والنصوص
والمعادلة الأصعب: التطوير مع الحفاظ على القدسية
ويبقى الإنشاد في النهاية صوتًا ينبض بالحياة
ما دام الناس يجدون فيه ملاذًا، وما دام الفنّان يحافظ على رسالته، سيظل هذا الفن ضوءًا في زمن يمتلئ بالضوضاء.


