تقارير-و-تحقيقات

ذكرى رحيل عبد الباسط عبد الصمد.. صوت خلدته التلاوة

تقرير :مصطفى علي

في مشهد يجمع بين الوفاء لقامات التلاوة المصرية واستحضار إرث فني وروحي صنع وجدان الملايين، تُعيد وزارة الأوقاف اليوم إحياء ذكرى أحد أبرز أعلام دولة التلاوة في القرن العشرين: الشيخ عبد الباسط عبد الصمد ذلك الصوت الاستثنائي الذي شكّل علامة فارقة في تاريخ القراءة المصرية، ورسّخ مكانة التلاوة المصرية في وعي العالم الإسلامي من المشرق إلى المغرب. الذكرى التي تحييها الأوقاف ليست مجرد احتفاء باسم كبير، بل هي استدعاء لتجربة إنسانية وقرآنية فريدة، أسهمت في تشكيل ذاكرة التلاوة وامتدادها لسنوات طويلة بعد رحيله.

نشأة استثنائية وبداية مبكرة لحفظ القرآن

وُلد الشيخ عبد الباسط عام 1927 في قرية المراعزة بمحافظة قنا، وسط بيئة ريفية محافظة ارتبطت بالقرآن وعلومه وفي سن العاشرة فقط، كان الصبي الصعيدي قد أتم حفظ القرآن الكريم كاملًا، ليبدأ من هذه اللحظة مسارًا استثنائيًا مع كتاب الله، مسارٌ جمع بين الموهبة الفطرية والدراسة المتقنة لأحكام التجويد وعلوم القراءة.

لم يكن حفظ القرآن مجرد محطة أولى في حياته، بل كان بوابة العبور إلى عالم التلاوة الذي سيُصبح لاحقًا أحد أبرز رموزه. ومنذ بداياته الأولى، امتاز صوته بقوة نادرة، وقدرة مدهشة على التحكم في المقامات، إضافة إلى خشوع عميق ترك أثرًا واضحًا لدى كل من استمع إليه.

الانطلاقة إلى الإذاعة المصرية وبروز مدرسة صوتية جديدة

بدأ بروز الشيخ عبد الباسط على الساحة القرآنية من خلال تلاوته الشهيرة لسورة فاطر، وهي التلاوة التي لفتت الأنظار إلى موهبته المتفردة وفي عام 1951، تم اعتماده قارئًا للإذاعة المصرية، وهي الخطوة التي شكّلت نقلة كبرى في مسيرته وأدخلت صوته إلى كل بيت في مصر والعالم العربي.

عُيّن بعدها قارئًا لمسجد الإمام الشافعي، ثم خلف الشيخ محمود علي البنا في مسجد الإمام الحسين، وهو منصب ارتبط بصفوة قرّاء مصر. وقد أهدى الإذاعة المصرية مكتبة ضخمة من التسجيلات الرفيعة المستوى، تضمنت تلاوات مرتلة ومجوّدة، إضافة إلى عدد من المصاحف المرتّلة التي سجّلها لبلدان عربية وإسلامية.

هذه المرحلة لم تُبرز صوته فحسب، بل أسست لمدرسة في الأداء عُرفت بالجمع بين القوة والنعومة، بين استيعاب المقامات والقدرة على النفاذ إلى وجدان المستمع.

صوت يصل إلى العالم: من الحرم المكي إلى المسجد الأقصى

حمل الشيخ عبد الباسط صوته إلى قارات متعددة، فكانت رحلاته للقراءة في المساجد الكبرى محطات مفصلية في مسيرته. وقد حظي بشرف القراءة في المسجد الحرام والمسجد النبوي، كما صدح صوته في المسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي بالخليل والمسجد الأموي بدمشق، فضلًا عن عشرات المساجد في آسيا وأفريقيا وأوروبا.

كان حضوره في هذه المحافل الدينية الكبرى كفيلًا بمنحه ألقابًا عديدة، أبرزها لقب صوت مكة، الذي التصق باسمه نتيجة ارتباط أدائه بجلال المكان وقدسيته. وانتشر صوته شرقيًا وغربيًا، ليصبح من أشهر القرّاء الذين وصلوا إلى مسامع المسلمين والعالم عبر التسجيلات والإذاعات الدولية.

تكريمات محلية ودولية ودور بارز في خدمة أهل القرآن

لم يكن تأثير الشيخ عبد الباسط مقتصرًا على صوته فقط، بل امتد إلى مساهمات مؤسسية مهمة. فقد حصل على العديد من الأوسمة داخل مصر وخارجها، تقديرًا لدوره في خدمة القرآن الكريم وتقديمه بأسلوب أعاد تشكيل الذائقة الصوتية لدى المستمعين.

وأسهم الشيخ في تأسيس “نقابة محفظي القرآن الكريم”، وانتُخب أول نقيب لقراء مصر عام 1984، في خطوة عززت من مكانة أهل القرآن وأتاحت مساحة أكبر للدفاع عن حقوقهم والارتقاء بمستويات الأداء والتعليم.

رحيل في مشهد مهيب وجنازات في العالم الإسلامي

في 30 نوفمبر 1988، رحل الشيخ عبد الباسط عبد الصمد عن عمر ناهز 61 عامًا. وتحوّلت جنازته في القاهرة إلى حدث استثنائي، حيث شهدت حضورًا واسعًا من سفراء دول عربية وإسلامية، إلى جانب آلاف المشيعين الذين امتلأت بهم الشوارع المحيطة.

وبلغ أثر رحيله حد إقامة صلاة الغائب عليه في عدد من مساجد العالم، في دلالة واضحة على مدى مكانته وانتشار صوته وتأثيره.

وزارة الأوقاف.. تقدير متجدد لرموز التلاوة المصرية

تؤكد وزارة الأوقاف في بيانها لإحياء الذكرى أن القامات القرآنية المصرية كانت وما زالت تمثل واجهة مشرفة لمصر ولتراثها الروحي.
وتشدد الوزارة على تقديرها العميق لدور القرّاء الكبار الذين حملوا نور القرآن إلى العالم، مستذكرة الدور الكبير الذي لعبه الشيخ عبد الباسط في نشر التلاوة المصرية وتثبيت حضورها بين مدارس التلاوة العالمية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى