
حين يخرج علينا ممثل مثل سلوم حداد ليتهكم على الفن المصري وفنانيه، ويزعم أن المصريين لا يجيدون اللغة العربية الفصحى، فالأمر لا يحتاج إلى نقاش مطوّل بقدر ما يحتاج إلى وقفة تكشف حجم الجحود والغرور الذي وقع فيه.
الفن المصري لم يكن يومًا مجرد صناعة محلية، بل كان هوية عربية شاملة، على خشبات المسارح المصرية صعد كبار النجوم ليقدموا روائع التراث العالمي والعربي بالفصحى، فكيف لممثل مثل سلوم حداد أن يتجاهل هذا التاريخ؟ ألم يشاهد عبد الله غيث وهو يهز الوجدان في فيلم “الرسالة” وجملته الشهيرة: “رُدها عليّ إن استطعت” بأداء عربي فصيح لا يُنسى؟ ألم يسمع محمود ياسين الذي كان صوته مدرسة لغوية كاملة؟ ألم يقرأ عن أحمد مظهر وهو يخلّد شخصية صلاح الدين الأيوبي في أضخم إنتاج تاريخي بلغة نقية صافية؟
ومن يتحدث عن الفصحى في مصر، يتجاهل أن القاهرة كانت منبع الصوت العربي الواحد، من إذاعتها الشهيرة انطلقت أولى كلمات المذيع الكبير أحمد سالم وهو يعلن للعالم: “هنا القاهرة”، لتصبح هذه الجملة الأيقونية رمزًا لهيبة الدولة وريادتها الإعلامية والثقافية، ومن بين أصواتها الراسخة أيضاً، دوّى صوت الإذاعي والشاعر شحاتة العرابي معلنًا: “إذاعة القرآن الكريم من القاهرة”، لتبقى شاهدًا على أن مصر لم تُتقن اللغة فقط، بل جعلتها في وجدان العرب جميعًا.
من يسخر من إتقان المصريين للفصحى يتناسى أن القاهرة لم تكن مجرد مدينة، بل معلمًا أول للثقافة والفن والإعلام، لم تحتكر موهبتها لنفسها، بل فتحت أبوابها لنجوم العرب من كل مكان، ومن بينهم السوريون واللبنانيون الذين عرفوا الشهرة عبر شاشاتها ومنابرها.
تصريحات سلوم حداد لا تنال من قيمة مصر، لكنها تكشف ضعفًا في تقديره للمكانة التي وصل إليها بفضل الفن العربي مجتمعًا، وفي القلب منه الفن المصري، التطاول على الكبار ليس بطولة، بل سقوط يكشف ضآلة.
القاهرة لا ترد على الصغائر، لكن التاريخ يرد، والفن المصري سيبقى مدرسة للأجيال، مهما حاول البعض أن يقلل من شأنه، فليقل سلوم حداد ما يشاء، لكن الحقيقة تبقى ثابتة: “هنا القاهرة.. حيث يبدأ الفن ولا ينتهي”.




