
حين تتحول الهندسة من أداة ضبط إلى بديل عن الإرادة
في كل موسم سياسي، وفي كل انتخابات، وفي كل لحظة تبدو فيها الساحة متحركة، يطرح سؤال واحد نفسه بقوة:
هل نحن بالفعل نصنع السياسة؟ أم أننا نتحرك داخل هندسة وُضعت لنا مسبقاً؟
هذا السؤال ليس فلسفياً ولا نظريًا.
إنه سؤال عملي يلمسه كل من يسير في الشارع اليوم، يرى لافتات، يسمع وعوداً، يتابع صعود أحزاب وتراجع أخرى، ويجد أن شكل السياسة يتغير… بدون أن يعرف من الذي يغيره.
الهندسة ليست تهمة… لكنها ليست بديلاً عن السياسة
من الطبيعي أن يكون للدولة أدوات تنظيمية تضبط الفوضى وتحمي الأمن.
ومن الطبيعي أيضاً أن تُوضع قواعد واضحة للانتخابات، وللعمل الحزبي، وللخطاب العام.
هذا يحدث في كل العالم.
لكن الفرق كبير بين الهندسة كأداة ضبط،
والهندسة كبديل للسياسة.
الأولى تهدف لتقوية المؤسسات.
الثانية تُفرغ السياسة من مضمونها.
الهندسات الثلاث — السياسية، الحزبية، والانتخابية — ليست شريرة بطبيعتها.
هي أدوات، مثل أي أدوات، يمكن استخدامها في البناء كما يمكن استخدامها في التحكم.
ولكن… متى يتحول الاستخدام من ضبط إلى استبدال؟
حين لا يبقى في الساحة سوى حركة محسوبة، واختيارات محددة، ونتائج متوقعة.
حين تفقد السياسة معناها
السياسة ليست لافتات.
وليست شعارات.
وليست مؤتمرات انتخابية.
السياسة هي حق الاختلاف، وحق الاختيار، وحق التنافس الحقيقي بين رؤى مختلفة.
لكن حين تتحول الهندسة إلى اليد العليا التي تحدد:
– من يحق له الظهور،
– ومن يظل في الظل،
– وكيف تُقسّم الدوائر،
– وكيف تُبنى القوائم،
– وكيف تتحرك الأحزاب،
عندها يصبح السؤال مؤلماً:
أين هي السياسة؟ وأين هو صوت الناس؟
الهندسة تخلق شكلاً… لكن المجتمع يملك الروح
يمكن للهندسة أن تصنع شكلاً منظمًا، خريطة واضحة، مشهداً يبدو مستقراً.
لكنها لا تستطيع أن تخلق روح السياسة، ولا حماستها، ولا دافع المشاركة الطبيعية.
حين يتحرك الناس داخل مسارات محددة مسبقاً،
وحين يصبح دورهم تنفيذ خيارات مرسومة،
نفقد أهم ما في السياسة:
الإرادة.
السياسة بلا إرادة، تتحول إلى “إدارة”.
والانتخابات بلا اختيار، تتحول إلى “إجراءات”.
والأحزاب بلا استقلال، تتحول إلى “هياكل”.
الهندسة مفيدة… إلى حدود معيّنة
حتى لا نجلد الواقع، يجب الاعتراف بأن الفوضى السياسية أخطر من أي هندسة.
الدول تحتاج إلى قواعد واضحة.
والمؤسسات تحتاج إلى ضبط.
لكن هذا الضبط يجب أن يبقى وسيلة… لا غاية.
ويجب أن يعمل من أجل المجتمع… لا مكانه.
ويجب أن يحمي التعدد… لا أن يلغي الاختلاف.
الهندسة حين تعمل داخل حدود السياسة، تصبح قوة.
لكن حين تحل بدلًا من السياسة، تصبح قيدًا.
**الخلاصة:
الهندسة تحمي الدولة… لكن السياسة هي التي تبنيها**
سيظل السؤال مفتوحًا ما دام المشهد بين حركة الناس وهندسة النظم غير متوازن.
الهندسة قد توفر الاستقرار،
لكنها لا تستطيع أن تبني الثقة،
ولا تصنع المشاركة،
ولا تخلق أجيالاً تؤمن بأن صوتها يحدث فرقًا.
وهنا أصل القضية:
الدولة القوية هي التي تُعطي للهندسة دوراً… وللناس دوراً أكبر.
الدولة التي تدير، لكن لا تُملي.
والشارع الذي يتحرك، لا يُسيّر.
والسياسة التي تُمارس… لا تُحاكى.
وفي النهاية — كما كتبتِ —
الهندسة ليست عيبًا… لكن المشكلة حين تصبح بديلاً عن السياسة



