الرئيسيةعرب-وعالم

حجيم النزوح… كيف يدفع الغزي آلاف الدولارات ثمنًا لتشريده؟

تقرير: مروة محي الدين

مع تدشين الاحتلال عمليته الموسعة لإعادة احتلال مدينة غزة، أصدر أوامره لسكان المدينة بالإخلاء، فعادوا للنزوح من جديد، حيث كان الاحتلال قد أجبر كثير منهم على النزوح أكثر من خمس مرات.

وذلك في ظل ظروف اقتصادية قاسية، حيث استنزفت الحرب المستمرة، منذ قرابة عامين، طاقة المواطنين وجيوبهم، فارتفعت نسبة الفقر إلى 90%، في وقت فقد فيه معظم العاملين في القطاع أعمالهم، فبلغت نسبة البطالة 83%، ليفاقم الاحتلال المعاناة معانات المواطنين بالنزوح، وتكاليفه الباهظة جدا.

النقل في زمن الحرب

“في الحرب لا يوجد سولار أو بنزين أو غاز، وأغلب السيارات في القطاع تعتمد على الغاز أو البنزين، وكلاهما لم يدخل القطاع منذ بداية الحرب، إلا بكميات قليلة جدا في فترات قليلة جدا، وبالطبع الآن غير موجودين، والسولار الموجود الآن بالقطاع هو السولار الصناع، الناتج عن إعادة تدوير البلاستيك، ويستخدم في تشغيل السيارات القديمة؛

وعلى جانب آخر، دمر الاحتلال أغلب سيارات النقل، والسيارات المتبقية لا توجد لها قطع غيار، لا للمحركات ولا للقطع الأخرى مثل الإطارات، وعليه لا توجد صيانة للسيارات، ما جعلها قليلة بدرجة تصل للندرة؛ ومن هنا ارتفعت تكاليف النقل جدا، كما ارتفعت تكاليف المواصلات جدا، بسبب عدم توفر الوقود في المقام الأول؛

وحتى من يملك سيارة يحاول الحفاظ عليها بعدم استخدامها، حتى لا تتلف بسبب وعورة الطرق غير الممهدة، ولن يمكنه إصلاحها، لأن الاحتلال يمنع دخول قطع الغيار للقطاع”… هكذا وصف الدكتور “أحمد الفرا”- مدير مستشفى التحرير للأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي- أهم أزمات النزوح، وعوامل ارتفاع تكاليفه، في تصريحات خاصة لموقع اليوم.

تكلفة لا تطاق

في ظل أزمة طاحنة يعيشها القطاع، قدرت عدة تقارير لجهات عدة تكاليف النزوح، بأنها فوق طاقة المواطن العادي، بينما فصل إعلام العدو تكلفة النزوح للعائلة الواحدة، من مدينة غزة إلى الجنوب، فقال إنها تبلغ 20 ألف شيكل، ما يوازي 6200 دولار أمريكي.

تتوزع على تكاليف النقل البالغة 5000-7000 شيكل، و500 دولار شهريًا لاستئجار قطعة أرض، أو استئجار شقة بتكلفة تبلغ 2000 شيكل شهريًا تقريبا، أو شراء خيمة بقيمة تتراوح بين 4500- 5000 شيكل، أو1180- 1310 دولارات، وكذلك بناء مرحاض وتبلغ تكلفته 500 دولار.

وفي ذلك، يقول “الفرا”: “تسرق عصابات سرقة المساعدات، وعلى رأسها عصابات أبو الشباب، الخيام والشوادر التي تدخل القطاع، ليبيعونها بالسوق السوداء، لترتفع تكلفتها بشكل غير عادي؛ فعملية تأمينها عملية صعبة للغاية، وحتى إن حاول بعض الشباب تأمين دخول المساعدات والخيام، يتم استهدافهم مباشرة وقتلهم، وقد استشهد عدد كبير من شباب التأمين، بسبب استهداف طائرات الاحتلال ومسيراته لهم، حيث تؤمن مروحيات الاحتلال ومسيراته من الدرون والكواد كابتر فرقتي أبو الشباب والأسطل، اللتين تعملان على سرقة المساعدات”.

وأضاف عن قدرة العائلات على تحمل تلك التكاليف: “بالطبع لا تستطيع معظم العائلات في ظل الأزمات الحالية تلك التكلفة، وحدها العائلات التي كان لديها مدخرات، هي من تحتمل تكاليف النقل، أما العائلات الأخرى فتنزح سيرًا على الأقدام، حاملة أمتعتهم على ظهورهم وأياديهم، وبعض من يملك سيارة ينزح فيها، ما يجعل الأمر غاية في الصعوبة”.

وروى تجربته الشخصية، فقال: “كما أضحت قطع الأراضي والشقق محدودة للغاية، فقد كنت أبحث عن استئجار شقة في خانيونس، حتى عثرت على واحدة بقيمة تبلغ 2500 شيكل- ما يعادل 800 دولار- شهريا، وتلك 4- 5 أضعاف قيمتها الإيجارية الأصلية، وفي اليوم التالي قبل أن أدفع المبلغ، كان الوسيط المستغل قد أجرها لشخص آخر أكثر احتياجا بسعر أعلى”.

ومن واقع التجربة، أضاف: “تجار الحروب يضاعفون المعاناة، وهم موجودين في كل مكان، فليس كل الشعب الفلسطيني مجاهد ومناضل ومقاتل، وإنما تجد بينهم اللصوص والعملاء والرويبضة”.

الموت نزوحًا

بلغ عدد النازحين من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، خلال الأيام الأخيرة، حوالي 70 ألف شخص، ونزحوا إلى مناطق مثل دير البلح وخانيونس، فيما بلغ عدد النازحين خلال الشهر الماضي حوالي 150 ألف شخص- وذلك وفقًا لتقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

لكن الأمر في حد ذاته لإيقاف عند حدود الرقم، فبتفحض نماذج النزوح نجدها قاتلة، فكل عائلة تروي قصة قاتلة، فيروي “الفرا” ما شاهدته عينه، قائلًا: “أحد التجار الميسورين من أصحاب رؤوس الأموال في مدينة غزة، كان يملك أحد مصانع العصير الطبيعي، وهو كل ما يملك هو وأبناءه؛

ومع علمه بأن مدينة غزة سيجتاحها الاحتلال، مسويا إياها بالأرض، مثلما فعل من قبل في مدينة رفح، فقرر نقل المصنع إلى الجنوب، ومن هنا احتاج إلى أرض مساحتها واسعة بلغت قيمتها الإيجارية شهريًا 20 ألف دولار، ثم جاء نقل المعدات وماكينات المصنع، ليكلفه مبلغ كبير من المال لم يقل عن 40 ألف دولار؛ أصابت الأب حسرة على ما تكبده من خسائر وتكاليف، لتصيبه جلطة في القلب، فتؤدي إلى وفاته”.

وممن قتلته الحسرة والخسائر المادية، إلى من قتله مشقة النزوح، إذ أضاف طبيب النساء بمجمع ناصر: “أما النموذج الثاني، كان يوم الجمعة 12 من سبتمبر الجاري، كان للمريضة نعمة أبو ناموس، التي كانت تنزح من مدينة غزة باتجاه خانيونس سيرًا على الأقدام، وهي حامل في شهرها الثامن وتحمل أطفالها معها، فوصلت إلينا في مجمع ناصر بحالة إعياء شديد، أدت إلى وفاة الجنين في أحشائها”.

تلك الصور من الواقع لا تنفصل عن أخرى، تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، أحدها لرجل يبكي قهرًا أثناء نزوحه، وأخرى لطفل يحمل شقيقته الرضيعة باكيا والدته التي استشهدت؛ ذلك هو الألم الذي لا تنقله صوره مهما بدا التعاطف معها، ولا تكفيه دموع التضامن، إذ أن حجمه كما يقول الطبيب الغزي: “والل لو اجتمع جميع خبراء علم النفس والأطباء النفسيين في العالم، لن يحلوا المشكلات النفسية، التي تركتها التجربة اليومية القاسية على أطفال غزة، من القتل والنزوح والدماروالتشريد والجوع”.

الصمت الدولي

مع تفاقم الوضع على مرأى ومسمع من العالم، ظهرت جميع علامات الاستفهام والتعجب مقترنة مع كلمة (المجتمع الدولي)، الذي يقف مشاهدا صامتًا لما يحدث، من “أغرب عملية دفع في العالم، حيث يدفع المواطن ثمنا باهظاً، مقابل أن يخرج ويطرد من بيته ويلقى في الشارع، وإلا يقتل ويموت مع أطفاله وزوجته”- وفقًا “للفرا”.

وأضاف:”والأغرب أن يعلم الإحتلال وغيره تفاصيل تلك المأساة، التي يعيشها المواطنون الأبرياء، ثم يصرون على إخراجهم لتدمير منازلهم؛ وفي أفضل الأحوال، يلوذ مشاهدوا تلك الجريمة ومراقبوها بالصمت، على الرغم من حدوثها بجميع مراحلها وآلامها على الهواء مباشرة”.

واختتم حديثه معلقًا على حالة الصمت المطبق، وموقف المواطن الغزي منها، فقال: “المجتمع الدولي مرهون بالسياسة الأمريكية، فيسير وفقا لها، وهي سياسة مرتبطة بسياسة الاحتلال، ومن هنا نحن لا نعول على السياسة الخارجية، فسنبقى في هذه الأرض حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى