حديث نبوي يخلّد قيمة العمل حتى النهاية

تقرير:مصطفى على
من أعظم ما يبعث في النفس الإسلامية روح العزة والكرامة في باب العمل والجد والاجتهاد، ما رواه النبي ﷺ في حديث شريف يفيض بالحكمة ويفتح أمام الإنسان أبواب الأمل والإنجاز، حتى في أشد اللحظات ظلمة:
«إِذا قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا، فَلْيَفْعَلْ».
[رواه الإمام أحمد]
هذا الحديث النبوي الشريف ورد في كتاب “آداب وقيم” لفضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الذي سلّط فيه الضوء على جملة من القيم الأخلاقية والإنسانية التي تدعو إليها الشريعة الإسلامية وتؤصّلها في وجدان المؤمن، وعلى رأسها قيمة العمل.
التفسير الشرعي: غرس الفسيلة واجب ولو في لحظة النهاية
يفسر العلماء هذا الحديث الجليل بأن المسلم مأمور بالعمل والإنتاج في كل لحظة من حياته، حتى وإن كانت تلك اللحظة هي لحظة انتهاء العالم وقيام الساعة فإذا كانت بيد أحدهم فسيلة، وهي النبتة الصغيرة التي تحتاج إلى وقت لتنمو وتثمر، وكان في مقدوره أن يغرسها في الأرض قبل أن ينتهي الزمان، فعليه أن يغرسها، رغم يقينه أن لا أحد سيستفيد من ثمرها.
هذا ليس فقط توجيهًا للعمل، بل هو بيان نبوي عميق لمعنى العطاء الذي لا يتوقف، والعمل الذي لا تحده نهاية، والاجتهاد الذي لا يقطعه حتى قيام الساعة.
درس في الأمل: قيمة العمل المجرد عن النتائج
ما يميز هذا التوجيه النبوي أنه لا يشترط تحقق النتيجة كي يُثاب العامل، بل يُكرّم الفعل ذاته، فالرسول ﷺ لم يقل “فإن علم أن الفسيلة ستثمر فليغرسها”، بل قال “فليغرسها” مطلقًا، أي أن في مجرد العمل بركة وثوابًا ومقصدًا شرعيًا، بصرف النظر عن ثماره.
إنه درس عظيم في بناء الحضارات، فالأمم لا تنهض إلا بسواعد تبني، حتى وإن كانت النتائج غير مضمونة، فالقيمة في المحاولة، وفي الإخلاص في الفعل.
دعوة شرعية إلى العمل في جميع الأحوال والظروف
يتضح من الحديث الشريف أن الشريعة الإسلامية لا تعرف الكسل ولا تبرر التواني بأي عذر ففي الوقت الذي ينهار فيه العالم وتقوم فيه القيامة، يُطالب المسلم بالعمل، فما بالك بالأوقات العادية التي يتوفر فيها الأمان والاستقرار والفرص؟
يعلّمنا الإسلام أن العمل واجب على القادر في كل وقت وحين، سواء كان في حال رخاء أو شدة، أمن أو خوف، صحة أو مرض.
النموذج النبوي في تعظيم العمل والإنتاج
لقد جاءت السنة النبوية عامرة بالأحاديث التي تُعظِّم من شأن العمل وتحثّ عليه، ومنها قوله ﷺ:
«ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده».
[رواه البخاري]
وفي رواية أخرى:
«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يُتقنه».
وهذه التوجيهات ليست مجرد أوامر دينية، بل هي تأسيس لثقافة راقية تقوم على حب العمل، والإتقان، والاعتماد على النفس، والمشاركة في إعمار الأرض، كما جاء في قوله تعالى:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾
[هود: 61
من أقوال الإمام الطيب: العمل فريضة لا تتوقف
جاء في كتاب “آداب وقيم” للإمام الأكبر أحمد الطيب، تأكيد صريح على أن هذا الحديث الشريف يُعد من أبرز النصوص الشرعية التي ترفع من قيمة العمل وتربطه بالواجب الديني والأخلاقي، حيث قال فضيلته:
“ما يجب أن يعتزّ به المسلم أيما اعتزاز، هو هذا التوجيه النبوي الجليل الذي يجعل العمل فريضة مستمرة لا تنقطع، ولا تتعطل، حتى وإن كانت الساعة قائمة.”
رسالة خالدة: بناء الأرض قبل قيامها
إن الحديث عن غرس فسيلة قبيل نهاية العالم ليس خيالاً بل قاعدة إسلامية ترسخ روح المسؤولية والإنتاج حتى آخر لحظة إنها دعوة لأن نكون إيجابيين، ومبادرين، وعاملين، لا ننتظر الظروف المثالية لنُحسن الأداء، بل نصنع من كل لحظة فرصة للبناء والعطاء.
وهي أيضًا رسالة إلى كل متكاسل، أن العذر مرفوض، وأن انتظار النتائج قبل العمل ليس من الإسلام في شيء، فالإسلام دين حركة، وعمل، ونماء.
في زمن التخاذل، نغرس الفسيلة
في عالم تتسارع فيه الأحداث وتكثر فيه الإحباطات، تظل تعاليم النبي ﷺ نبراسًا يهدي إلى الإيجابية والعطاء وما الحديث عن “غرس الفسيلة عند قيام الساعة” إلا دعوة للاستمرار في إعمار الأرض، وصناعة الخير، حتى في أكثر الأوقات يأسًا.

