حرب السرديات في ميدان الصحافة.. أفيخاي يلاحق أنس الشريف بالتحريض
تقرير: سمر صفي الدين
أطلق المتحدث العسكري لجيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، حملة تحريض جديدة ضد مراسل قناة الجزيرة في قطاع غزة. أنس الشريف، عبر مقطع فيديو نشره على صفحته الرسمية في “فيسبوك”. زاعمًا أن تقرير الشريف الأخير عن المجاعة في غزة “فيلم هوليوودي مفبرك” وواصفًا دموعه بأنها “دموع تماسيح”.
أدرعي قال في الفيديو: “فيلم اليوم من إنتاج هوليوود – فرع غزة، برعاية قناة الجزيرة وبدعم خاص من حماس الإرهابية: دراما مفبركة بطلها أنس الشريف الذي ذرف دموع التماسيح في لقطة مدروسة بعناية. بطولة العالم في التزوير والكذب والافتراء مستمرة بلا توقف”.
الهجوم الجديد يأتي في سياق سلسلة طويلة من التحريضات الإسرائيلية ضد صحفيي غزة، حيث سبق لأدرعي أن هاجم الشريف. بعد تغطيته مجزرة مدرسة “التابعين” العام الماضي، متهمًا إياه بالكذب رغم توثيق وكالات مستقلة للمجزرة التي أودت بحياة العشرات.

بينما يجلس أنس الشريف بين اشلاء شهداء مجزرة مدرسة التابعين بعد التغطية الاعلامية يحرض عليه افيخاي (10 أغسطس2024)
دموع صادقة في مواجهة الجوع
المقطع الذي أثار غضب المتحدث الإسرائيلي أظهر الشريف وهو ينقل لحظة انهيار مواطنين في غزة نتيجة الجوع الحاد الذي يضرب القطاع منذ أشهر. قبل أن يتوقف عن الكلام ويبكي أمام الكاميرات.
أحد المواطنين الحاضرين خاطبه قائلاً: “استمر يا أنس.. أنت صوتنا”، في مشهد هز منصات التواصل الاجتماعي، وحصد آلاف المشاركات والتعليقات المتضامنة.
وفي غضون ذلك، علق الشريف على الحملة التحريضية ضده عبر صفحته في “فيسبوك”. قائلاً: “مرة أخرى، أطلق المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي حملة تهديدات وتحريض ضدي بسبب عملي كصحفي مع الجزيرة. أؤكد أنني صحفي بلا أي انتماءات سياسية، مهمتي الوحيدة نقل الحقيقة كما هي، دون تحيز. في الوقت الذي تجتاح فيه المجاعة غزة، أصبح قول الحقيقة تهديدًا بالنسبة للاحتلال”.
اقرأ:: صوت غزة.. أنس الشريف يحصد جائزة المدافع عن حقوق الإنسان
استهداف الصحفيين.. سياسة ممنهجة
أنس الشريف، البالغ من العمر 28 عامًا، من أبرز الأصوات الصحفية التي واصلت تغطية جرائم الحرب الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر. من القصف الجوي والبحري إلى الحصار الذي أدى إلى انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية في غزة. الشريف فقد والده في الحرب وتعرض منزله للتدمير، لكنه واصل تغطياته اليومية من مناطق القصف المباشر.
والمكتب الإعلامي الحكومي في غزة أعلن أن حصيلة الشهداء الصحفيين منذ بدء العدوان بلغت 231 صحفيًا، من بينهم مراسل الجزيرة وصديق الشريف، إسماعيل الغول ومصوره رامي الريفي اللذان استشهدا في غارة إسرائيلية أثناء تغطية مخيم الشاطئ. واعتبرت مؤسسات حقوقية أن هذه الأرقام “تؤكد سياسة منهجية لإسكات الحقيقة وإرهاب الصحفيين”.
تضامن شعبي ورسالة إصرار
المشهد الذي بكى فيه الشريف تفاعل معه آلاف النشطاء على منصات التواصل الاجتماعي، إذ عبروا عن دعمهم له في مواجهة التحريض والتهديدات.
أحد النشطاء كتب: “بكاء أنس الشريف على الهواء مباشرة والناس يتساقطون حوله من شدة الجوع، وآخر ينادي: استمر يا أنس.. أنت صوتنا. لا أظن في تاريخ الإسلام حدث مثل هذا”.
آخرون أكدوا أن دموع الشريف كانت “دموع شعب كامل يموت ببطء” وأن تحريض الاحتلال عليه يمثل “اغتيالًا معنويًا يوازي الاغتيال الجسدي”.

لحظة تأثّر الزميل أنس الشريف وبكائه أثناء وصفه آثار الجوع على الناس في قطاع غزة، وسط مواساة الأهالي له بقولهم: “استمر، أنت صوتنا”
تحذيرات من “ذبح الحقيقة“
على الصعيد الدولي، أصدرت وكالة الصحافة الفرنسية (AFP) بيانًا نادرًا حذرت فيه من خطر موت صحفييها المحليين جوعًا لأول مرة منذ تأسيسها عام 1944. داعية إسرائيل إلى السماح بدخول الصحافة الأجنبية إلى غزة.
وقالت الوكالة: “لم يسبق أن واجهنا وضعًا نفقد فيه صحفيًا بسبب الجوع”.
وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، طالب بدوره إسرائيل بالسماح “للصحافة الحرة والمستقلة” بالوصول إلى غزة لتوثيق ما يحدث. مؤكداً أن بلاده تدرس إجلاء بعض الصحفيين المحليين.
كما أصدرت “جمعية الصحافيين” في وكالة “فرانس برس” بيانًا عاجلًا دعت فيه إلى “تدخل فوري لإنقاذ الصحفيين المحليين الذين أصبحوا المصدر الوحيد لنقل الأخبار من غزة”.
حرب على الذاكرة والحقيقة
التحريض ضد أنس الشريف لا ينظر إليه بوصفه حدثًا منفصلًا، بل كجزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع تعرف بـ”حرب السرديات”.
فإلى جانب الحصار العسكري والاقتصادي، هناك حصار إعلامي يتمثل في منع دخول الصحافة الأجنبية إلى غزة، واستهداف الصحفيين المحليين سواء بالقتل المباشر أو بالتحريض والتهديد.
هذه الحرب على الصحافة، وفق مراقبين، تهدف إلى “ذبح الحقيقة” ومنع توثيق الجرائم، خاصة في ظل اتهامات دولية لإسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية” ومجازر بحق المدنيين.
كما يرى خبراء الإعلام أن هذا النمط من التحريض العلني يخلق بيئة خطرة تشرعن استهداف الصحفيين، وترسخ الإفلات من العقاب.
أنس الشريف: “سأواصل حتى النهاية“
رغم التهديدات المباشرة التي تلقاها، أعلن الشريف تمسكه بعمله قائلاً: “هذا كل همي.. أن أنقل صوت الناس المخذولين، المحاصرين. المجوعين في غزة”.
كتب عبر حسابه على “فيسبوك” مقتبسًا من القرآن الكريم: “قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا”، مؤكدًا ثقته بالله وتحديه للتحريض والتهديدات الموجهة ضده.




