علي جمعة يفتح أسرار الإحسان: كيف تعبد الله كأنك تراه؟

تقرير :مصطفى علي
في حديثٍ عابقٍ بالنور والمعرفة، تناول الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، عبر صفحته الرسمية على «فيس بوك»، معنى الإحسان كما شرحه النبي ﷺ في جوابه الخالد: «أن تعبد الله كأنك تراه».
حديثٌ لطالما كان محورًا لفهم المقامات العليا في العبادة، ومفتاحًا لأسرار العلاقة بين العبد وربه يوضح الدكتور علي جمعة أن هذا الحديث يمثل ذروة السمو الروحي، إذ يرفع الإنسان من مقام الإسلام الظاهر إلى مقام الإحسان الباطن الذي يتجاوز حدود الطقوس إلى عمق الوعي بالله ومراقبته الدائمة.
كاف التشبيه.. رؤية تمثيلية لا بصرية
يبدأ الدكتور علي جمعة شرحه بتدقيق لغوي وروحي، قائلًا إن عبارة النبي ﷺ: «كأنك تراه» لا تعني رؤية حقيقية بالبصر، بل هي رؤية تمثيلية، إذ إن الكاف هنا كاف التشبيه، أي من شأنك أن تراه، ولكنك لا تراه فعلًا بعينيك.
ويضيف أن هذه الرؤية المقصودة هي رؤية القلب لا العين، فالله سبحانه لا يُرى في الدنيا بالأبصار، وإنما تُقبل عليه القلوب التي امتلأت معرفةً ومهابةً وإخلاصًا.
ويستشهد بقول أحد العارفين:
قلوبُ العارفينَ لها عيونٌ ترى ما لا يراه الناظرون
فيؤكد أن المقصود بالعيون هنا عيون البصيرة لا البصر، فهي التي تُبصر بنور الله ما تعجز عنه العيون المادية، مصداقًا لقوله تعالى:
{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.
فالإله عز وجل لا تحده صورة ولا تحيط به الأبصار، بل يدركه القلب المؤمن الذي تجرد من الغفلة، وامتلأ يقينًا بنور التوحيد.
رؤية موسى وتجلي الجبل
وفي سياق التوضيح، يستدعي الدكتور علي جمعة المشهد القرآني المهيب حين طلب موسى عليه السلام رؤية الله، فقال تعالى:
{رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا}.
هذا الموقف، كما يشرح جمعة، يبيّن أن الرؤية الحسية لله فوق طاقة البشر والأكوان، وأن التجلي الإلهي ذاته لا يُحتمل في عالم المادة، لأن الله سبحانه أعظم من أن يُدرك بالبصر.
ولهذا، حين وصف القرآن حال المؤمنين في الآخرة، قال تعالى:
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}
فذكر الوجوه دون أن يذكر العيون، في إشارةٍ دقيقة إلى أن النور الإلهي في الآخرة سيشرق على الوجوه بالإشراق والبهاء، لا بمجرد الرؤية المادية التي نعرفها في الدنيا.
معنى أن تعبد الله كأنك تراه
يتابع الدكتور علي جمعة موضحًا أن الحديث الشريف يمكن أن يُقرأ بمعنى المراقبة الكاملة، أي أن تراقب نفسك مراقبةً دائمةً عميقة، وكأنك ترى الله أمامك في كل لحظة من حياتك.
ويقول إن هذا المفهوم هو ما عاشه الصحابة الكرام والعارفون بالله، حيث بلغ بعضهم درجة أنفاس المراقبة، كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يراقب نفسه بالأنفاس؛ فلا يدخل نفس إلا وهو متأملٌ لعظمة الله، ولا يخرجه إلا وهو مستعدٌ للقاء الله، متيقنٌ أن الموت قد يأتي في أي لحظة.
ويطرح جمعة تساؤلات تُظهر عمق تلك المراقبة:
«هل يمكن لإنسان يعيش بهذا الاستحضار الدائم لعظمة الله أن يعصي؟ هل يمكن أن يظلم أو يقصر؟
الجواب عنده واضح: لا. لأن المراقبة القلبية الصادقة تمنع المعصية قبل وقوعها، وتضبط السلوك قبل أن يزيغ، فيعيش الإنسان في طهارةٍ مستمرة، مراقبًا لله في سره وعلنه.
المرتبة الثانية: فإن لم تكن تراه فهو يراك
ثم ينتقل الدكتور جمعة إلى المرتبة الثانية في الحديث النبوي الشريف، وهي قوله ﷺ: «فإن لم تكن تراه فهو يراك».
يصفها بأنها مرتبة أدنى من الأولى، لكنها لا تقل أهمية، لأنها تذكير دائم بأن الله يراقب عبده في كل لحظة، يعلم سره ونجواه، ويطلع على خفايا قلبه وأعماله.
فإذا لم يستطع الإنسان أن يعيش دائمًا في مقام المشاهدة القلبية، فعليه ألا يغفل عن مقام المراقبة، بأن يعلم أن الله يراه ويسمعه ويعلم ما يخفيه وما يظهره.
ويضيف أن هذه المرتبة هي التي تحفظ الإنسان من الغفلة والزلل، وتدفعه إلى تقوى الله في السر والعلن، مصداقًا لقوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
الفناء في محبة الله.. ذروة الإحسان
ويختتم الدكتور علي جمعة حديثه بتأملٍ عميقٍ في معنى العبودية الصافية، فيقول إن الاستمرار في المراقبة والذكر يوصل الإنسان إلى حالةٍ من الفناء عن النفس، فيدرك أن وجوده لا قيمة له إلا بالله، وأن كل شيء قائم بقدرته.
فإذا فني العبد عن ذاته، وأيقن أن وجوده محتاج إلى الله وأن الله غنيٌّ عنه، بلغ حينئذٍ مقام الرؤية القلبية الكاملة، وهي التي تُعبّر عن الحضور الكامل مع الله.
ويؤكد جمعة أن هذا المقام لا يُنال بالجهد فقط، بل هو فضلٌ من الله يمنّ به على عباده الصادقين، الذين صفّوا قلوبهم من شوائب الدنيا، وجعلوا نيتهم خالصة لوجهه الكريم.
الإحسان.. غاية السالكين وسرّ الوجود
بهذا الشرح البديع، يعيد الدكتور علي جمعة إلى الأذهان البعد الإيماني العميق للعبادة، فليست الصلاة أو الصوم مجرد طقوسٍ ظاهرية، بل جسورٌ نحو الله، تصنع في القلب مقام الإحسان، حيث يعيش المؤمن في حضورٍ دائمٍ مع خالقه.
إنها مدرسة روحية كبرى، تختصر رحلة الإنسان في ثلاث كلمات: اعبد الله كأنك تراه.
ومن هنا يدعو جمعة كل مؤمنٍ إلى أن يجعل من عباداته اليومية طريقًا نحو تلك الرؤية القلبية، التي تحرر النفس من الغفلة، وتزرع في القلب سكينةً لا تزول.
