مفتي الجمهورية: التمييز بين الشريعة والفقه ضرورة لمواجهة التطرف

أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أهمية إدراك الفارق الجوهري بين الشريعة الإسلامية والفقه، محذرًا من الخلط بينهما، لما قد يترتب عليه من تداعيات فكرية خطيرة تتراوح بين الجمود والتطرف من جهة، والانفلات والتسيب من جهة أخرى.
جاء ذلك خلال حديثه الرمضاني المُذاع على قناتَي DMC والناس الفضائيتين، حيث شدد على أن التمييز بين المفهومين يمثل مفتاحًا للوعي الديني الصحيح، ويسهم في تحقيق التجديد الفقهي المطلوب لمواكبة تطورات العصر، دون الإخلال بثوابت الشريعة الإسلامية.
الشريعة ثابتة والفقه متغير
أوضح فضيلة المفتي أن الشريعة الإسلامية هي المنهج الإلهي الذي أنزله الله لتنظيم حياة البشر، وهي تشمل العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والتشريعات العامة التي تحقق مقاصد الدين الكبرى.
وأكد أن أحكام الشريعة الإلهية ثابتة ومستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، ولا تحتمل الاجتهاد أو التغيير، مثل وجوب الصلاة، وتحريم القتل بغير حق، وسائر الأحكام القطعية.
أما الفقه، فهو علم يُعنى باستنباط الأحكام الشرعية العملية من الأدلة التفصيلية، ويعتمد على اجتهاد العلماء وفق أصول علمية راسخة، مما يؤدي إلى تنوُّع الآراء الفقهية واختلافها بين المذاهب الإسلامية. وأكد فضيلته أن هذا الاختلاف الفقهي محمود، لأنه يعكس مرونة الفقه وقدرته على التفاعل مع متغيرات الزمان والمكان، ما يتيح تحقيق مقاصد الشريعة بما يخدم مصالح الناس في مختلف العصور.
مخاطر الخلط بين الشريعة والفقه
حذَّر مفتي الجمهورية من العواقب الوخيمة لغياب التمييز بين الشريعة والفقه، موضحًا أن الخلط بينهما يؤدي إلى أحد مسارين متضادين، كلاهما يشكل خطرًا على الفكر الإسلامي:
1. الجمود والتقليد الأعمى: حيث يتم التعامل مع الاجتهادات الفقهية البشرية على أنها نصوص مقدسة لا يجوز مخالفتها، مما يعطل عملية الاجتهاد ويحول الفقه إلى قيود تعيق التطور ومواكبة المستجدات.
2. التسيب باسم التجديد: حيث يتم تجاوز الأحكام الفقهية القطعية بدعوى التطوير، مما يفتح الباب أمام فوضى فقهية، تؤدي إلى انفلات القيم الدينية وطمس الهوية الإسلامية.
وأكد فضيلة المفتي أن الإسلام دين مرونة، لكنه لا يقبل العبث بأحكامه، وأن التوسط بين الجمود والانفلات هو السبيل الصحيح لفهم الدين وتطبيقه.
التجديد الفقهي ضرورة شرعية
شدد الدكتور نظير عياد على أن التجديد الفقهي ليس ترفًا فكريًّا، بل هو ضرورة شرعية، وأحد الأدلة القاطعة على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان. وأشار إلى أن العلماء على مر العصور أكدوا أن الشريعة قائمة على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، مستشهدًا بقول الإمام الشاطبي: “الشريعة مبناها على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، فما كان يحقق مصلحة الأمة فهو من الدين، ولو لم يرد فيه نص بعينه.”
وأوضح فضيلته أن التجديد لا يعني تجاوز الشريعة، وإنما تطوير الفقه بما يواكب حاجات الناس ويحافظ على مقاصد الدين، لافتًا إلى أن الفقه هو التطبيق العملي للشريعة، ولا يمكن أن يكون جامدًا في مواجهة مستجدات الحياة.
دعوة إلى فقه مستنير يخدم الأمة
في ختام حديثه، دعا مفتي الجمهورية إلى التمسك بثوابت الشريعة، مع تبني فقه مستنير قادر على التعامل مع تحديات العصر، مشددًا على أن الفقه يجب أن يكون أداة لخدمة الناس وتحقيق مقاصد الإسلام، لا أن يتحول إلى عقبة أمام التطور.



