خاص لـ اليوم.. الحرب والدمار في غزة بعيون صحفي مهجر

“لم نكن يومًا من الأيام نتمنى أن نصل إلى هذا الحال في قطاع غزة، فعلى مدار 20 عامًا تعرضنا لأكثر من عدوان واعتداءات إسرائيلية ومجازر وحروب، لكنها لم تكن بهذا الحجم التدميري…”
هكذا بدأ “سلمان بشير”- الصحفي الفلسطيني ابن دير البلح في غزة- سرد معايشته لصفحات الألم فيها، صفحات يجمعها عنوان واحد “الحرب المجنونة على القطاع”- حسب وصفه، حيث بدأ حكايته من مصر، التي هجرته إليها الهجمات المسعورة للاحتلال منذ قرابة 7 شهور.
وبعيون من عايش ويلات الحرب وذاق ألم التهجير، تحدث عن موطن وجعه مكتفيا من تعبيرات الألم بتلك التنهيدة المتأسفة، قبل أن يقول: “غزة دخلت حرب ليست كأي حرب، إنما هي حرب تدميرية أبادت غزة بشكل شبه كامل، حيث دمرت ما يتجاوز 80% من كل مقدراتها على جميع الأصعدة: البنى التحتية والفوقية، والموارد البشرية، والمؤسسات، والشوارع، والمستشفيات، والمدارس، والجامعات؛ حيث يتعرض القطاع لحرب إبادة وتطهير عرقي ممنهجة منذ السابع من أكتوبر حتى يومنا هذا؛ وذلك سعيًا من الاحتلال لتحويل غزة إلى منطقة غير صالحة للحياة”.
التهجير والإبادة
التهجير والإبادة… قضيتين تصدرا المرارات التي رواها الصحفي المهجر، دون أن يفارق الوجع صوته، فقال: “في بداية العدوان على غزة في 7 أكتوبر 2023، أعلنت القيادة السياسية للاحتلال المتمثلة في حكومة اليمين المتطرف وعلى بنيامين نتنياهو وسموتريتش وبن جفير أهدافًا لتلك الحرب، تمثلت في: القضاء على حركة حماس، ومنع إطلاق الصواريخ من غزة لمنع تهديدها لهم، وإطلاق سراح المحتجزين في القطاع؛ وبشكل عملي لم يتم تحقيق تلك الأهداف حتى الآن بالمعنى التفصيلي للكلمة، ومازالت المعارك والاشتباكات متواصلة في القطاع، ومازالت بعض الصواريخ يتم إطلاقها منه، ولم يتم إطلاق سراح الأسرى إلا بعدد محدود في صفقة تبادل وحيدة تمت منذ بدء الحرب؛ ما يعني أن الأهداف المعلنة لإسرائيل لم تحققها…”.
وتابع: “في المقابل دمرت قطاع غزة بشكل شبه كامل، بما يشير لوجود نية مبيتة لدى الاحتلال بأهداف أخرى خفية، بدأت تفهم من الناس والجمهور والمجتمع الدولي، وتلك الأهداف هي: تدمير قطاع غزة، ودفع السكان للتهجير القسري داخل القطاع، بما يؤدي للتفكير في التهجير الطوعي خارج القطاع بعد انتهاء الحرب، حين لا يجد المواطن أماكن للحياة أو مقدرات يستطيع من خلالها أن يصمد ويواصل الحياة، وبالتالي أضحت فكرة التهجير هي ما يدفع إليها الإسرائيلي لإفراغ الاحتلال من سكانه”.
وبين واقع مر وأمل منشود، راح يصف حال سكان القطاع ويحلل استجابتهم المحتملة لذلك الضغط والدفع للتهجير، فقال: “مستوى القتل والتدمير الكبير الذي مارسته الآلة العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة يضغط على الناس، وهم في النهاية بشر، فهذا الضغط الذي يمارس عليهم بهذه القوة الجنونية المفرطة يعكس حقيقة الفكرة الإسرائيلية…”.
واستطرد موضحًا موقف الشعب في غزة: “بصراحة المواطن الغزاوي لم يكن مطروحًا لديه فكرة التهجير، ومازالت غير واردة على الإطلاق، وليس أدل على ذلك من أن هناك أعداد ليست قليلة من السكان المدنيين مازالت موجودة بالمناطق الشمالية، وهي المناطق الأكثر تعرضًا لهذا العدوان، وإن كانت أعدادا أقل من السكان الطبيعيين لكنهم مازالوا موجودين، حتى في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية للقطاع، مثل: بيت حانون وبيت لاهيا ومخيم جباليا الذي يتعرض لإبادة منذ ما يزيد عن 80 يومًا، على الرغم من أن إسرائيل تمارس ضدهم إبادة ممنهجة تسقط عشرات ومئات الشهداء منهم يوميًا، لكنهم مازالو صامدين حتى تحت النار”.
وأضاف: “إذا ما تحدثت مع من هربوا بعائلاتهم من هذه المناطق، تجدهم يقولون أنهم سيعودون لأماكن سكناهم وبيوتهم بمجرد انتهاء هذه الحرب، بل إن هناك من يقول إنه سيعود إلى بيته وإن كان مدمرًا فسيعيد بناءه أو يبني خيمة فوقه ويسكن، وبناءً على ذلك فإن فكرة الإبعاد أو ابتعاد المواطنين الفلسطينيين عن بيوتهم وأماكنهم في غزة فكرة مرفوضة”.
استهداف الصحفيين
في غزة أن تكون صحفيًا يعني أن تعيش الموت، وتألف الخطر، وتودع دنياك كل لحظة…ما يعني أن يجردك عدوك من إنسانيتك فتصبح هدفا مستمرا له…، وتنتظر مع كل رمشة عين أن تكون أنت الإضافة الجديدة إلى 195 صحفيا شهيدًا.
ولكونه صحفيًا، لم يجد “بشير” سبيلًا إلا الخروج، مع كل ويل رأته عيناه ونقله للجمهور، فهو بشر له طاقة احتمال في آخر الأمر، وذلك كان ملخص رؤيته حين حكى ألم الاغتراب القسري، حيث قال: “في النهاية نحن بشر، وكل منا له إمكانات تختلف من شخص إلى آخر، كما أن لدينا عائلات وأطفال نحن مسؤولون عن إنقاذهم والحفاظ عليهم، فاضطررت لمغادرة غزة مع زوجتي وأبنائي، حيث عانينا جميعا الاستهداف الممنهج الموجود بالقطاع”.
وتابع حديثه: “كذلك هناك استهداف للصحفيين بشكل مباشر، وكنت في دائرة هذا الاستهداف، ومن هنا أضحت هناك معادلة أخرى لدى الصحفي الفلسطيني، فهو يحاول أن ينقل الحقيقة وأحداث الجريمة، لكنه يريد الحفاظ على حياته”.
ومن ذات المنطلق وواقع تجربته الشخصية أكد أن أعداد كبيرة من الصحفيين غادرت القطاع، وليس هو وحده بسبب حرب الإبادة الجماعية فيه، وقال: “تختلف الحسابات لدى البشر ولدى الصحفيين، ومع الاستهداف المباشر لهم بدون حماية، ودون وجود رادع لاستهداف هذا المحتل للصحفيين المحميين بموجب القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة التي تحمي المدنيين في الحروب، وبطبيعة الحال الصحفيين من ضمن هذه المنظومة، وعلى الرغم من ذلك نرى الانتهاكات مستمرة بحقهم”.
وعادت نبرته تحمل الكثير من القوة والإصرار على الرغم من ألم الإكراه، وهو يعرج على مستقبل يتطلع للوصول إليه، فقال: “غادرت قطاع غزة رغمًا عني، ولكني في النهاية عازم على العودة للقطاع، ما إن تضع هذه الحرب أوزارها، أو تتاح لي فرصة العودة”.
سلاح المقاومة
في اغترابه أضحى “بشير” يرى الصورة التي عايشها يومًا من الخارج، حيث يستقي معلوماته من وسائل الإعلام، فيرى ويسمع ما ينشر فيها عن الإبادة وحراك المقاومة، وبصفته واحد من أصحاب الأرض، حلل انتقال عمليات المقاومة في جباليا لاستخدام الأسلحة البيضاء أو تلك التي تم اغتنامها من العدو.
بدأ في شرح ظروف تلك العمليات فقال: “هناك فلسطيني يتم الاعتداء عليه، وهذا الفلسطيني ليس لديه جيش نظامي أو سلاح وعتاد الجيوش النظامية، بل لديه أسلحة تقليدية يحارب بها هذا المحتل، ويدافع عن نفسه بأي وسيلة متاحة للدفاع عن النفس، في رسالة للمحتل أنه سيظل يقاوم وسيظل صامد فوق أرضه وإن نفدت الذحائر ومعها كل أسلحته، فهو سيظل يقاتل بأسنانه حتى يستعيد حقه ويدافع عن نفسه، خلال هذه الحرب الطويلة والقاسية التي يعيشها القطاع، ومثل تلك العمليات البدائية التي تنفذها المقاومة ضد المحتل تؤكد له أنه لا يمكن القضاء على الفلسطيني، لأنه راسخ و متجذر وثابت فوق أرضه”.
وقرأ مؤشرات نفاد سلاح المقاومة الذي قد تشير إليه تلك العمليات، فقال: “إنها قد تؤشر لذلك بشكل أو بآخر، وإن صح ذلك ففي النهاية الفلسطيني يدافع عن حقه، والمقاومة في غزة ليست جيشًا نظاميًا، وليس لديها مخزونات سلاح وأرتال وعتاد مثل الجيوش التقليدية، وتلك الحرب امتدت لفترة زمنية طويلة تربو على 14 شهرًا، دون وجود إمداد لما ينفد من سلاح لدى المقاومة، وبالتالي قد يكون ذلك فعليًا مؤشر على نفاد السلاح أو تراجع كمياته، بالنظر لطول الفترة الزمنية للحرب”.
الانتصار بعيون المهجر
في غزة وضع عايش “بشير” مآسيه يومًا ويراه في غربته كل يوم، مقارنًا إياها بانتصارات مزعومة يعلنها قادة الاحتلال كل يوم بالقضاء على حماس، فتحدث عن تلك المزاعم في ضوء المشهد الذي عايش، فقال: “الانتصار الوحيد الذي حققه نتنياهو هو تدمير قطاع غزة، والقضاء على المنطقة الجغرافية بمساحة 365 كم²، محيلًا إياها لمنطقة غير صالحة للحياة على الأقل لمدة 20 سنة قادمة، وأنا متفائل حين أقول عشرين عامًا من إعادة الإعمار وإزالة هذا الركام، حيث نتحدث عن مدن كاملة تم تدميرها، وهذا هو الإنجاز الوحيد لحكومة الاحتلال”.
وجاءت المقاومة في الشق الثاني من تقييمه للأمر، فقال: “أما عن المقاومة، بطبيعة الحال هناك تآكل في قدراتها بالاستهداف المباشر لعناصرها، والاستخدام المفرط للقوة تجاه المدنيين، وهم جزء من هؤلاء المدنيين، كما أن هناك استهداف لمقدرات القطاع والخسائر فيه تفوق الوصف، لذا أمام القطاع سنوات طويلة للتعافي من تلك المأساة التي يعيشها منذ سنة وما يزيد على شهرين”.
وأقر بتراجع الإمكانيات العسكرية للمقاومة، باعتباره جزءًا من الانهيار الكامل الذي طال القطاع، فقال: “ليس منكرًا أن الاحتلال استهدف عدة قيادات سياسية وعسكرية من الصف الأول والثاني وحتى العاشر في المقاومة، كما أن هناك استهداف مباشر لمقدرات حماس في غزة، وبالفعل تآكلت قدراتها إلى حد كبير، والعمليات المعتمدة على الأسلحة البيضاء والتقليدية تعكس هذا التآكل في القدرات، وحتى مع وجود اشتباكات وإطلاق صواريخ فهي ليست بزخم العمليات خلال الشهور الأولى للحرب، إذ نلاحظ تراجعها”.
تلك الرؤية لحال المقاومة والقطاع بلورت رؤيته للتصريحات المتواترة لرئيس وزراء الاحتلال بالانتصار، ليصفها بأنها: “نوعًا من التفاؤل الإسرائيلي، يعطي مؤشر بأنه في فترة ما سيعلن انتهاء تلك العملية العسكرية، لذا يمهد بإعلان القضاء على قدرات حماس، فتآكل قدرات حماس لأكثر من 90% يمثل إنجازًا له، كي يكون قد حقق أهداف الحرب، لاسيما مع تواتر الحديث عن صفقة التبادل واقتراب إنجازها، حيث نجده يعلن اقتراب إطلاق سراح المحتجزين في القطاع، وإن مات بعضهم خلال الحرب، فسيلقي بمسؤولية موتهم على حركة حماس واحتجازهم لديها، كما أن ذلك مرتبطًا بتغيير الإدارة الأمريكية، وما أعلنه “دونالد ترامب” من رسائل تهديدية مباشرة لإنهاء الحرب قبل استلامه الإدارة، لذا هو يعلن أهدافه كأنها أنجزت بالفعل”.
صفقة تبادل الأسرى
بذكر مفاوضات صفقة تبادل الأسرى، حمل “بشير” رؤيته الخاصة فيما نشر منها، وكان جله منشور في الإعلام العبري، فرآها تسريبات من قائد حكومة الاحتلال “لما يضعونه هم من شروط، وكأنه المنتصر الذي يفرض شروطه، وما على المقاومة إلا الموافقة عليها”.
وأضاف: “فمهما طال زمن الحرب فوق تصوراته وتصورات دولة الاحتلال كلها، لكنه يرى أنه المنتصر في النهاية الذي يفرض شروطه، وذلك حينما يرفض الانسحاب الكامل من محوري فيلادلفيا ونتساريم، وحينما يتحدث عن الحواجز الإسرائيلية التي ستوضع لتفتيش السكان الذين سيسمح لهم بالعودة، وحينما يتحدث عن منع نقل الأسلحة من جنوب القطاع إلى شماله، ومن هنا هذا يؤكد إرادته إنهاء هذه الحرب قبل وصول ترامب للبيت الأبيض”.
وبكل أسف تحدث عن ما يجب على المقاومة فعله في تلك المفاوضات، منحازًا بشكل كامل لفكرة “حقن الدماء الفلسطينية”، التي تعلو فوق كل اعتبار، حيث اعتبرها “أهم أولويات الصمود والبقاء على الأراضي الفلسطينية”.
وأوضح ذلك قائلًا: “حينما أتحدث عن رفض مشروع التهجير القسري والطوعي للفلسطينيين، فأنا أتحدث عن تعزيز صمود هذا المواطن على أرضه، وحينما يتم تدمير مقدرات حياة هذا المواطن بشكل مباشر فأنت تضعف إمكانية صموده وبقائه على الأرض، وبالتالي من المهم أن نصل لكلمة النهاية، وقد بات طموح المواطن الغزاوي أن يسمع كلمة هدنة، دون أن يفكر فيما بعد انتهاء هذه الهدنة، ولا يفكر فيما بعد انتهاء هذه الحرب، بقدر ما يفكر في إيقاف نزيف الدم المتواصل على مدار الساعة، وبعد ذلك لكل حادث حديث، لأن حياة الناس أهم من كل شيء”.
ومع انحيازه الشديد لضرورة إنهاء الحرب وإتمام صفقة التبادل، رأى أن الخطأ الذي يمكن أن ترتكبه المقاومة في مفاوضات تلك الصفقة: “ألا تمضى الصفقة، وأن يستمر العناد بعدم الوصول لنقطة التقاء، نعم نحن نتحدث عن محتل، لكنه دمر كل ما لدي من مقدرات ودمر بلدي ووطني وأهلي، وقضى على حياة الناس، وبالتالي يجب أن نصل إلى نقطة يتم فيها وقف إطلاق النار حتى إن كان بهدنة مؤقتة، تتبع مسلسل زمني يوصل لوقف إطلاق نار نهائي، لذا يجب إتمام تلك العملية لإنقاذ حياة الناس”.
وعلى جانب آخر رأى أن تلك الصفقة لن تحمل أخطاء، لأن “حماس وضعت شروط لإتمامها، من بينهما إطلاق سراح أسرى فلسطينيين محتجزين في سجون الاحتلال، وهناك إرادة إسرائيلية لإطلاق سراحهم، وإن كان هناك اختلاف على بعض الأسماء، لكني أرى الآن تقارب في وجهات النظر، فترغب إسرائيل في استرداد محتجزيها في القطاع، وحماس ترغب في إطلاق سراح أسرى فلسطينيين، وتبدي إسرائيل تنازل في هذه النقطة، ومن هنا يكون من الخطأ الابتعاد عن نقطة الالتقاء تلك، بل يجب أن نستثمرها لإنهاء هذه الحرب المسعورة على القطاع مهما كلف ذلك”.
الانسحاب والعودة
انسحاب قوات الاحتلال من غزة بالكامل، وعودة المهجرين إليها، كان أحد المحاور المهمة التي تحدث فيها “بشير”، وبالنظر لما تحمله تلك القضية من معوقات كبيرة، رأي أن أهم الأهداف الخفية للاحتلال من هذه الحرب هو “إعادة احتلال قطاع غزة”.
وشرح ذلك قائلًا: “إسرائيل حينما دخلت قطاع غزة لم تدخل لتغادر، إنما دخلت ترنو لإعادة احتلال ما أرسته من قواعد ومستوطنات في القطاع، وعلى سبيل المثال: نتساريم هي مستوطنة غادرتها إسرائيل في 2005، واليوم يعودون لإقامة تلك المستوطنة مرة أخرى وسط القطاع؛ كما تولي أهمية خاصة لإعادة السيطرة على محور فيلادلفيا، وكذلك السيطرة على كل منافذ القطاع ومناطقه الحدودية، ومثلما حدث في غزة حدث في جنوب لبنان وجنوب سوريا، وقد أعلن نتنياهو بوضوح عدم نية إسرائيل الخروج من المناطق التي احتلتها، وغزة ليست خارجة عن تلك المعادلة، فالأطماع الإسرائيلية في احتلال القطاع واضحة، لتحويله لمنطقة تحت السيطرة الإسرائيلية، وحال انتهت الحرب هو يرغب في الحفاظ على قدرته على دخول قطاع غزة متى شاء، لإنهاء أي تهديد محتمل من غزة لإسرائيل”.
وأسس على ذلك الحديث، بأن “نتنياهو” لن يقدم على الانسحاب من غزة، وعلى أفضل الأحوال إن كان هذا الاحتمال وارد “لن يكون في المنظور القريب، فعقب وقف إطلاق النار قد نجد بعض التراجع عند بعض النقاط لكنه لن يكون انسحاب فوري، وستبقى السيطرة الأمنية العسكرية الإسرائيلية على القطاع”.
ومن رفض الاحتلال الانسحاب وعدم وجود نية لديه في ذلك، انتقل “بشير” للحديث على الحق الفلسطيني المتوارث عبر الأجيال، حق العودة، الذي تكفله القوانين والقرارات الدولية، فأطلق تنهيدة مثقلة بكل ما يحمله من ألم تذكرها، بينما يقول: “العودة حق وعقيدة راسخة، فمن حق كل فلسطيني أن يعود إلى أرضه، وهو حق مؤكد بقرارات الأمم المتحدة بعودة اللاجئين إلى أراضيهم، فمن غادر الأراضي الفلسطينية التي هجر عنها عام 1948، له حق العودة إليها الآن والمطالبة به من خلال الأمم المتحدة وفق القوانين الدولية، لكن الاحتلال يفرض سيطرته على الأرض كدولة فوق القانون تعوق كل قرار دولي يسمح للفلسطيني بأخذ حقه”.
وأضاف: “بالعودة لقطاع غزة فإن خطة الجنرالات التي أُعِلنَ عنها تقضي بتحويل المناطق الشمالية فيه- مثل: بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا، وحتى الشريط الحدودي على المنطقة الشرقية من رأس شمال غزة حتى الجنوبية بعمق كيلومترين داخل القطاع- إلى منطقة عازلة، بمعنى تجريف كل تلك المناطق السكانية و البنيانية وتحويلها لمناطق شبه صحراوية، وقد نفذ الاحتلال في تلك المناطق في الشمال تطهيرًا عرقيًا وإبادة وإزاحة للسكان، وتدمير لمنازل هؤلاء السكان، بما يعني أنه لا يريد لهم عودة، لكنها كما قلت سابقًا فكرة راسخة لدى الفلسطيني فنجده يقول دائما: متى انتهت الحرب سأعود وأقيم خيمة فوق أنقاص بيتي وأسكن فيها حتى تتم عملية الإعمار”.
وبينما يتحدث طرح السؤال: “هل سيسمح الاحتلال للسكان بالعودة، بعد أن جرف ودمر وسيطر على هذه المناطق؟”، ولم يستطع الإجابة على السؤال الذي “ستجيب عليه المرحلة القادمة، وما بعد الاتفاق ستظهر تفاصيل هذه الجغرافيا التي دمرها الاحتلال وأزاح السكان عنها”- حسب قوله.
ومن القضية العامة إلى القضية الخاصة، انتقل من حق عودة كلفلسطيني إلى تجربته الشخصية بعودته لبلاده، فقال: “عن نفسي نحن ننتظر إعلان وقف إطلاق النار أو الهدنة، وإنهاء العمليات العسكرية وحقن الدماء، وإنقاذ ما تبقى من القطاع، وساعتها سنعود فورا له، فنحن لسنا في نزهة إنما نحن مكرهون على الابتعاد عن القطاع، لكن العودة أمر لا خيار فيه”.
وبكل الأسف في نفسه، لخص مجمل الوضع كما يراه مختتما حديثه، بقول: “تلك الحرب ليست كما قبلها على الإطلاق، فقد غيرت وجه المنطقة والإقليم، وما قبل السابع من أكتوبر ليس كما بعدها، ولم أكن أتمنى أن يحدث ذلك، وكل ما أتمناه الآن أن يتم الحفاظ على ما تبقى من غزة، وما تبقى من جغرافيا دولة فلسطين، ليقف في وجه المشروع الإسرائيلي التصفوي، الذي يهدف إلى تصفية جغرافيا الدولة الفلسطينية، بما يمنع الفلسطينيين من إقامة دولتهم، عبر التهجير وإفراغها من السكان، وتدميرها وإحالتها لأماكن غير صالحة للحياة، وهو ما يرفضه جميع الفلسطينيين، ونتمنى ألا يتحقق المشروع الإسرائيلي بتحويل الدولة الفلسطينية إلى إسرائيلية”.
تعليق واحد