الرئيسيةتقارير-و-تحقيقاتعرب-وعالم

سربرنيتسا 30 .. البوسنة وغزة جريمتان مختلفتان وصمت دولي واحد

في صمت مهيب وقلوب تنزف منذ ثلاثين عامًا، شيع الآلاف من مسلمي البوسنة، اليوم الجمعة 11 يوليو 2025، رفات سبعة من ضحايا مجزرة سربرنيتسا في مقبرة بوتوتشاري شرق البلاد.

هذه المراسم السنوية أصبحت تقليدًا موجعًا، يستخرج فيه من الأرض ما تبقى من الذاكرة، ويدفن الألم مجددًا في مقابر مخصصة لضحايا المذبحة صار يعاد فتحها كل عام.

بذلك يرتفع عدد من تم التعرف على رفاتهم ودفنهم رسميًا إلى 6772 ضحية، من أصل 8372 من الرجال والفتيان المسلمين الذين قتلوا على يد قوات صرب البوسنة في يوليو 1995، فيما لا تزال رفات أكثر من ألف شخص غير معروفة المصير، رغم الجهود الحثيثة للبحث والتوثيق.

مذبحة سربرنيتسا.. قرية خضراء ومقابر بيضاء
مذبحة سربرنيتسا.. قرية خضراء ومقابر بيضاء

أسماء ووجوه.. لا مجرد أرقام

أصغر الضحايا المدفونين هذا العام هما سيناجيد أفديتش وهاريز موجيتش، وكلاهما كان في التاسعة عشرة من عمره لحظة استشهاده. أما أكبرهم فهي السيدة فاتا بكتيتش التي كانت تبلغ 67 عامًا حين اقتيدت مع آخرين إلى مصيرها القاتم.

يروي الباحث في شؤون الأقليات المسلمة، محمد سرحان، كيف يتم كل عام اكتشاف رفات جديدة: “في معظم الحالات، ما يعثر عليه ليس جسدًا كاملًا، بل عظمتين أو ثلاثًا، قطعة قماش، أو شظايا ملابس. في كثير من الأحيان، لا تتمكن عائلة الضحية حتى من معرفة أي من أبنائها دفن فعليًا”.

وأضاف في تصريحات خاصة لموقع “اليوم”: “المأساة لا تنتهي بالموت. كل دفن جديد هو تذكير بالخذلان، وكل شاهد قبر أبيض هو صرخة في وجه العالم”.

 11 يوليو 2023: سربرنيتسا 28 شيِّع مسلمو البوسنة رفات 30 من الضحايا
11 يوليو 2023: سربرنيتسا 28 شيِّع مسلمو البوسنة رفات 30 من الضحايا

منطقة آمنة تحولت إلى مصيدة موت

في السادس عشر من أبريل 1993، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 819، الذي أعلن سربرنيتسا “منطقة آمنة” منزوعة السلاح تحت حماية قوات الأمم المتحدة.

على الأرض، طبق القرار على المسلمين فقط، وتم نزع سلاح الجيش البوسني المدافع عن البلدة، بينما واصل الصرب تعزيز مواقعهم دون عوائق.

يوضح سرحان: “ما جرى لم يكن مجرد فشل أممي بل تواطؤ ناعم. قوات الأمم المتحدة منعت البوسنيين من الدفاع عن أنفسهم، ثم انسحبت أو وقفت عاجزة حين اقتحمت قوات راتكو ملاديتش المدينة”.

حتى المساعدات الإنسانية، كما يقول، كانت تصادر على الحواجز الصربية، وكأن هناك من أراد لهذه المنطقة أن تمحى من الخريطة.

يوم الهلاك: 11 يوليو 1995

حين دخلت قوات صرب البوسنة المدينة، كانت نحو 40 ألف نسمة – معظمهم من اللاجئين الذين فروا من مدن أخرى – محاصرين في سربرنيتسا.

وفي قاعدة بوتوتشاري التابعة للأمم المتحدة، اختبأ عشرات الآلاف من النساء والأطفال وكبار السن، بينما تسلل آلاف الرجال عبر الغابات هربًا من المذبحة، دون جدوى.

والجنرال العسكري راتكو ملاديتش، المعروف بـ”جزار البوسنة”، وقف أمام الكاميرات ووزع الحلوى على الأطفال، ثم أمر بإعدام الرجال جماعيًا في الخفاء. خلال أربعة أيام، قتل 8372 مسلمًا، بعضهم بترت أطرافه وهو حي، والبعض الآخر دفن حيًا أو أُجبر على حفر قبره بيده، بحسب الباحث سرحان.

إخفاء الجريمة.. حرفيًا

في تقرير للمحكمة الجنائية الدولية عام 2001، وثق أن القوات الصربية قامت في شهري سبتمبر وأكتوبر 1995 بنبش مقابر جماعية ونقل الجثث إلى مواقع مختلفة، لتضليل المحققين.

ويتابع سرحان أن عشرات الجثث أُعيد توزيعها على نحو 21 موقعًا، وبهذا أصبح تحديد الهوية أكثر صعوبة.

وعن شهادة الضحايا، تقول خديجة محمدوفيتش، وهي أم فقدت زوجها وولديها: “في عام 2010 سلموني رفات أولادي. سألت: هل الجسد سليم؟ قالوا: لا.. وجدنا عظمتين فقط من الساقين. قلت: لن أدفنه، لم أنجبه بلا رأس”.

رحلت خديجة عام 2018، لكنها أوصت: “إن مت قبلكم، احكوا قصة أولادي، لا تتركوهم ينسون”، يقول سرحان.

أم سربرنيتسا.. خديجة محمدوفيتش
أم سربرنيتسا.. خديجة محمدوفيتش

العدالة التي لا تعيد الحياة

في عام 2017، حكمت محكمة لاهاي على “جزار البوسنة” الجنرال راتكو ملاديتش بالسجن المؤبد، فيما صدر الحكم نفسه على زعيم صرب البوسنة رادوفان كاراديتش. لكن كثيرين يعتبرون أن العدالة جاءت متأخرة، بل “مبتورة”.

ويقول محمد سرحان: “رغم الأحكام، لا تزال الرواية الصربية تنكر الإبادة. في 2024، رفض برلمان صرب البوسنة وصف ما جرى بأنه جريمة إبادة جماعية، بل وصفوه بـ’الخطأ’، وبعضهم اعتبره انتقامًا لمذابح مزعومة ضد الصرب”.

ويضيف: “هنا تكمن خطورة الإنكار.. لأنه الخطوة الأولى نحو التكرار”.

أسر الضحايا وهم يشاهدون جلسة تأكيد الحكم بالمؤبد على الجنرال العسكري راتكو ملاديتش "جزار البوسنة"
أسر الضحايا وهم يشاهدون جلسة تأكيد الحكم بالمؤبد على الجنرال العسكري راتكو ملاديتش “جزار البوسنة”

مرايا غزة.. رسالة أردوغان وعراقجي

لا يرى الباحث محمد سرحان أن ما جرى في سربرنيتسا يخص البوسنة وحدها، بل هو جرح عالمي يتكرر بلغة مختلفة كلما تواطأ العالم أو صمت عن جريمة.

ويضرب مثلاً بما يجري في غزة، حيث تتواصل الحرب الإسرائيلية منذ أكثر من 21 شهرًا، مخلفة عشرات آلاف القتلى والجرحى والمفقودين، في ظل عجز أو تجاهل المجتمع الدولي.

“عندما نطالب غزة بالاستسلام، أو نحاصرها ونمنع عنها الطعام والدواء، نعيد إنتاج مشهد سربرنيتسا بلغة أخرى. الفرق الوحيد أن الكاميرات باتت أكثر تطورًا، لكن الضمير الدولي لا يزال مشلولًا”، يقول سرحان.

وفي هذا السياق، وجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رسالة مصورة إلى مراسم إحياء الذكرى الثلاثين لمجزرة سربرنيتسا في البوسنة.

قال فيها: “الإدارة الإسرائيلية ستحاسَب عاجلاً أو آجلاً أمام القانون والتاريخ على الإبادة الجماعية التي ترتكبها في غزة منذ 7 أكتوبر 2023، والتي أودت بحياة نحو 57 ألف فلسطيني بين طفل وامرأة ومسن وشاب”.

وأضاف : “مثلما صمت العالم أمام فظائع سربرنيتسا، فإنه اليوم يكتفي بالمشاهدة بينما ترتكب إبادة جديدة بحق الفلسطينيين”، مؤكدًا أن بلاده ترفض بشدة إنكار ما حدث في البوسنة أو تمجيد مجرمي الحرب، كما ترفض التواطؤ في الصمت عن مأساة فلسطين.

من جهته، كتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عبر منصة “إكس”:”لو أن العالم اتعظ فعلًا من مأساة سربرنيتسا، لما كنا اليوم شهودًا على إبادة جماعية جديدة ضد المسلمين، وهذه المرة في غزة”.

“إن 11 يوليو الذي اعتمدته الأمم المتحدة يومًا عالميًا لإحياء ذكرى إبادة سربرنيتسا هو وصمة عار على جبين من شاركوا في تلك الجريمة أو سهّلوا ارتكابها بالصمت”، مؤكدًا تضامن إيران الكامل مع ضحايا المجازر من البوسنة إلى فلسطين.

ويرى سرحان أن هذه المقارنات لم تعد مبالغة، بل ضرورة أخلاقية وسياسية: “حين يجبر المدنيون على الجوع، ويدفن الأطفال تحت الأنقاض، وتحول المدن إلى مقابر، لا تكون تلك عمليات عسكرية، بل مجازر بحسابات التاريخ. سربرنيتسا بدأت بقرارات أممية ثم خذلان دولي.. أليست غزة اليوم على المسار نفسه؟”.

اتفاق دايتون.. سلام قسم البلاد

أنهت اتفاقية دايتون حرب البوسنة في ديسمبر 1995، لكنها قسمت البلاد فعليًا إلى كيانين: “جمهورية صرب البوسنة” التي تضم سربرنيتسا وتخضع للصرب، و”اتحاد البوسنة والهرسك” الذي يضم المسلمين والكروات.

ويعلق سرحان: “اتفاق دايتون كان سلامًا فوق ركام من العظام. منح الصرب نفوذًا سياسيًا على نصف البلاد تقريبًا، رغم أنهم كانوا الجناة”.

توقيع اتفاقية دايتون في 14 ديسمبر 1995 بين قادة كل من البوسنة وصربيا وكرواتيا، وبموجب هذه المعاهدة انتهت حرب البوسنة
توقيع اتفاقية دايتون في 14 ديسمبر 1995 بين قادة كل من البوسنة وصربيا وكرواتيا، وبموجب هذه المعاهدة انتهت حرب البوسنة

زهرة سربرنيتسا وعلم فلسطين

من رحم الحزن ولدت زهرة سربرنيتسا. تحولت إلى رمز سنوي يختزل وجع المجزرة وأمل العدالة. لونها الأخضر يرمز إلى الشهداء، وبتلاتها الأحد عشر تحاكي تاريخ المجزرة.

قبيل كل ذكرى، تطوف شاحنة تقل رفات الضحايا الذين تم التعرف عليهم مدن البوسنة، ويودعها الأهالي بالورود والدموع في مشهد لا ينفك يتكرر، قبل أن تصل إلى النصب التذكاري في بوتوتشاري حيث توارى الثرى.

وفي الذكرى الثلاثين هذا العام، رفع العلم الفلسطيني إلى جانب زهرة سربرنيتسا داخل مركز النصب التذكاري في بوتوتشاري، في مشهد رمزي حمله المشاركون في “مسيرة السلام” التي تسبق الذكرى سنويًا. فقد التقت الجريمتان في المعنى والذاكرة: سربرنيتسا وجع لم يندمل، وغزة تنزف اليوم من جرح مشابه.

وفي خطوة تاريخية، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مايو 2024 قرارًا قدمته ألمانيا ورواندا، باعتبار 11 يوليو “اليوم الدولي للتفكر في الإبادة الجماعية في سربرنيتسا وإحياء ذكراها”.

والقرار طالب الأمين العام بإطلاق برنامج توعية دولي عن الإبادة الجماعية في سربرنيتسا استعدادا للذكرى الثلاثين، ودعا إلى ترسيخ الحقائق التاريخية عبر المناهج التعليمية. كما أدان القرار أي إنكار أو تحريف للمجزرة، وشدد على أهمية منع وقوع إبادة جماعية في المستقبل.

وختامًا، يقول محمد سرحان: “بعد 30 عامًا، لم تدفن المجزرة. لأن الحقيقة لا تدفن، والعدالة إن تأخرت، فإنها لا تكفر عن الجريمة، بل تؤكد استمرار الجرح”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى