دار الإفتاء: التحايل للحصول على دعم الإسكان جريمة شرعية وأخلاقية

تقرير:مصطفى على
في ظل الجهود المستمرة التي تبذلها الدولة المصرية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سكن كريم للفئات محدودة الدخل، تطلق الحكومة بين الحين والآخر مشروعات سكنية مدعومة تستهدف شريحة واسعة من المواطنين الذين يعانون من صعوبة تأمين المسكن اللائق.
وقد أثارت هذه المشروعات، التي تُطرح بشروط دقيقة تضمن وصول الدعم لمستحقيه، العديد من التساؤلات الفقهية حول مدى جواز تقدم غير المستحقين لتلك الوحدات السكنية، سواء عبر التحايل أو بتقديم بيانات مغلوطة.
فتوى رسمية: لا يجوز التحايل للحصول على ما لا تستحق
في هذا السياق، جاءت فتوى صريحة من الدكتور علي فخر، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، لتحسم هذا الجدل، وتضع الأمور في نصابها الشرعي والأخلاقي.
وقد أوضح الدكتور فخر، في تصريح تلفزيوني ردًا على سؤال أحد المواطنين، أن التحايل للحصول على شقق محدودي الدخل دون وجه حق “حرام شرعًا”، ويُعد نوعًا من أكل أموال الناس بالباطل، وهو ما حرّمه الإسلام تحريمًا قاطعًا.
الشروط واضحة.. والدعم لا يُمنح إلا لمستحقيه
أكد أمين الفتوى أن الدولة، مشكورة، تسعى لتوفير سكن للفئات الأكثر احتياجًا بأسعار مدعمة، في خطوة تنموية عادلة ومباركة، شأنها شأن ما يحدث في العديد من الدول حول العالم.
لكنّ الضابط الأساسي في هذه المنظومة العادلة هو الالتزام بالشروط والمعايير التي وضعتها الجهات الرسمية المختصة، مشيرًا إلى أن:
“من استوفى الشروط التي وضعتها الدولة، فله شرعًا أن يتقدّم ويستفيد من الدعم. أما من لم يستوفها، فلا يجوز له ذلك تحت أي ظرف.”
وشدد على أن اللجوء إلى تزوير الأوراق أو تقديم بيانات غير صحيحة بغرض الحصول على شقة مدعومة يُعد خداعًا للدولة وتزويرًا لمقصودها في نصرة المستحقين، كما يُعد غشًا للمجتمع بأكمله.
أكل أموال الناس بالباطل.. خيانة للقيم ومقاصد الشريعة
أوضح الدكتور علي فخر أن الشرع الشريف يُحرِّم أكل المال بالباطل بجميع صوره، وأن أخذ الدعم دون وجه استحقاق هو مزاحمة للفقراء والمحتاجين في موارد خُصصت لهم دون غيرهم، وهو أمر يدخل في باب الإثم والعدوان.
وأشار إلى أن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح:
“من غشّنا فليس منا”،
وهو ما يدل على أن التحايل والغش في الاستفادة من حقوق ليست للمرء، يُعد خيانة للأمانة وللأمة كلها.
كما ذكّر بأن الإسلام حرص في جميع نصوصه على تحقيق العدالة وتوزيع الحقوق وفق الاستحقاق، لا عبر أساليب الخداع واللف والدوران، موضحًا أن التعدي على حقّ مستحق حقيقي فيه ظلم مزدوج:
ظلم للدولة التي منحت الدعم وفق نية خالصة لخدمة الفقراء
وظلم للفقراء أنفسهم الذين يُزاحمون في حقوقهم
دعوة إلى الصدق والانضباط.. وصون لكرامة الدعم المجتمعي
لفت أمين الفتوى إلى أن الأصل في التعامل مع مثل هذه المشروعات هو الصدق والشفافية، مشددًا على أن الشريعة الإسلامية لا تنظر إلى الأفعال فقط، بل إلى النيات والمقاصد أيضًا.
وأكد أن الالتزام بالشروط وعدم التزوير ليس فقط أمرًا قانونيًا، بل واجب ديني وأخلاقي، لأن في ذلك صيانة للعدالة الاجتماعية، وتقديرًا لجهود الدولة في دعم الفئات الأضعف.
ودعا المواطنين إلى التخلي عن ثقافة الاستغلال، التي تقود البعض إلى محاولة الاستفادة من برامج الدعم دون وجه حق، مؤكدًا أن الرزق لا يُنال بالحرام، وما بُني على باطل فهو باطل.
فتوى تؤسس لوعي اجتماعي وشرعي مسؤول
تأتي هذه الفتوى في توقيت مهم، حيث تتزايد المبادرات التنموية الحكومية وتفتح باب الأمل أمام شرائح اجتماعية واسعة، بينما يحاول البعض التسلل إلى هذه البرامج بممارسات تخالف القوانين والنُظم، مستغلين الثغرات الإدارية أو ضعف الرقابة أحيانًا.
وقد أرست هذه الفتوى أساسًا فقهيًا واضحًا لموقف الشرع من مسألة طالما كانت محل نقاش وجدال في الأوساط الشعبية، لتؤكد أن الدعم ليس حقًا مكتسبًا بالمحاباة، بل هو مسؤولية اجتماعية وتكافل مشروع بشروط واضحة وأمانة نزيهة.
خلاصة شرعية واجتماعية: لا تَسْتَحل ما ليس لك
يمكن القول إن هذه الفتوى تمثل دعوة مزدوجة للضمير الديني والضمير المجتمعي:
فهي تدعو المواطن غير المستحق إلى التراجع عن التقديم لمشروعات الإسكان المدعوم حرصًا على دينه وضميره
كما تدعو الجهات المعنية إلى التمسك بمعايير العدالة والشفافية والرقابة الدقيقة، لضمان ذهاب الدعم لمستحقيه دون ظلم أو تجاوز
