أمين البحوث الإسلامية: ميثاق الشرف الطبي يحمي النفس ويصون الكرامة

كتب: مصطفى علي
في إطار النقاشات الفكرية والعلمية التي تتناول قضايا المجتمع الملحّة، نظّمت مجلة الأزهر ندوة حوارية بمستشفى الحسين الجامعي تحت عنوان: «ميثاق الشرف الطبي وأخلاقيات المنظومة الصحية يدٌ تعالج وقلبٌ يرحم»، بحضور نخبة من العلماء والمتخصصين في المجالات الشرعية والطبية.
أكد فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، أن مهنة الطب ليست مجرد ممارسة مهنية أو نشاط وظيفي، بل هي رسالة إنسانية سامية تتصل اتصالاً وثيقًا بأحد أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو حفظ النفس الإنسانية، مشددًا على أن الطبيب يؤدي عبادة عظيمة إذا صلحت نيته وأخلص عمله لله تعالى.
استهلّ الدكتور الجندي كلمته بالتأكيد على أن مهنة الطب ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمقصد حفظ النفس، وهو أحد الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة لصيانتها، إلى جانب حفظ الدين والعقل والنسل والمال.
وأوضح أن النفس البشرية مكرّمة بنص القرآن الكريم، وأن الاعتداء عليها أو التهاون في صيانتها يُعد مخالفة صريحة لجوهر الشريعة وروحها.
وبيّن أن الطبيب حين يسعى لعلاج مريض أو تخفيف ألمه، فإنه يشارك في تحقيق مقصد شرعي عظيم، مشيرًا إلى أن استحضار النية الصالحة يحوّل الجهد المهني إلى عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه.
لا تمييز بين المرضى
وتوقف أمين عام مجمع البحوث الإسلامية عند البعد الأخلاقي في الممارسة الطبية، مؤكدًا أن أخلاقيات الطب تقوم على أسس شرعية وإنسانية راسخة، في مقدمتها عدم التمييز بين المرضى على أساس الدين أو العرق أو الانتماء الاجتماعي أو القدرة المادية.
وأوضح أن العدالة في تقديم الخدمة الصحية ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل واجب شرعي، لأن الكرامة الإنسانية مكفولة لكل إنسان، بصرف النظر عن خلفيته أو معتقده.
وأضاف أن الطبيب مؤتمن على حياة المريض وكرامته، وهذه الأمانة تفرض عليه الالتزام بأقصى درجات المهنية والعدل والإنصاف.
«لا ضرر ولا ضرار».. قاعدة تضبط العمل الطبي
وشدد الدكتور الجندي على أن القاعدة الفقهية الشهيرة «لا ضرر ولا ضرار» تمثل أصلًا حاكمًا لكل ممارسة طبية، فلا يجوز الإقدام على إجراء طبي يغلب على الظن أنه سيؤدي إلى ضرر محقق أو راجح، كما لا يجوز التهاون أو الإهمال الذي قد يترتب عليه أذى للمريض.
وأشار إلى أن الجهل في ميدان الطب قد يتحول إلى صورة من صور القتل غير المباشر، إذا أقدم غير المؤهلين على ممارسة المهنة دون علم أو تدريب كافٍ، مؤكدًا أن الإتقان العلمي والتحديث المستمر للمعرفة الطبية واجب مهني وشرعي في آن واحد.
الأمانة والإتقان
ولفت الأمين العام إلى أن أخلاقيات الطب لا تقتصر على المهارة التقنية، بل تشمل منظومة متكاملة من القيم، في مقدمتها الأمانة والإخلاص والإتقان. فالطبيب، كما أوضح، مؤتمن على أسرار المرضى، مطالب بالحفاظ على خصوصيتهم وصون معلوماتهم، كما أنه مسؤول عن الصدق في التشخيص وعدم تضليل المريض أو أسرته.
وبيّن أن مراقبة الله تعالى في كل تصرف وسلوك تمثل الضمانة الحقيقية لاستقامة الأداء الطبي، مستشهدًا بنصوص قرآنية ونبوية تؤكد عظمة حفظ النفس وحرمة الاعتداء عليها أو التفريط فيها.
الرحمة وحسن الخلق.. جزء من العلاج
وأكد الدكتور الجندي أن البعد الإنساني في التعامل مع المرضى لا يقل أهمية عن العلاج الدوائي أو الجراحي، موضحًا أن الرحمة وحسن الخلق يسهمان بشكل كبير في التخفيف النفسي عن المريض، وأن الكلمة الطيبة قد تكون في أحيان كثيرة جزءًا من العلاج ذاته



