ذكرى رحيل الإمام الأكبر محمد سيد طنطاوي: رحلة حياة من “طما” إلى البقيع

في العاشر من مارس عام 2010، طُويت صفحة حياة أحد أعلام الأزهر الشريف، الإمام الأكبر  الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر السابق، الذي رحل عن عالمنا بعد مسيرة حافلة بالعلم والدعوة والوسطية. عاش حياته متفرغًا لخدمة القرآن الكريم، حيث كان عالمًا جليلًا، ومفكرًا مستنيرًا، وقائدًا لمؤسسة الأزهر في فترة من أدق فتراته.

الميلاد والنشأة: بداية من صعيد مصر

وُلِد محمد سيد طنطاوي في 28 أكتوبر 1928 في قرية سليم الشرقية بمركز طما، محافظة سوهاج، جنوب مصر. نشأ في بيئة ريفية محافظة، وكان القرآن الكريم حاضرًا في حياته منذ الصغر. التحق بالمعهد الأزهري، حيث بدأ رحلته في طلب العلم الشرعي، فحفظ القرآن الكريم وأتقن علومه في سن مبكرة.

82 عامًا من العطاء العلمي والفقهي

واصل تعليمه حتى حصل على الشهادة الثانوية الأزهرية، ثم التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، حيث تفوق في دراسته، وحصل على درجة الليسانس عام 1958، ثم الماجستير عام 1966، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في التفسير والحديث عام 1969 بتقدير امتياز، وكان موضوع رسالته “بنو إسرائيل في القرآن والسنة”.

رحلة التدريس والعمل الأكاديمي

بعد حصوله على الدكتوراه، بدأ طنطاوي مسيرته الأكاديمية، حيث عمل أستاذًا للتفسير والحديث في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وتنقل بين العديد من الدول العربية، مثل ليبيا والسعودية، لنشر العلم وتعليم أصول الدين. كان له دور كبير في إعداد أجيال من العلماء والدعاة، كما أثرى المكتبة الإسلامية بالعديد من المؤلفات الفقهية والتفسيرية.

في رحاب الأزهر: منصب المفتي وشيخ الأزهر

في عام 1986، صدر قرار بتعيينه مفتيًا للديار المصرية، وهو المنصب الذي شغله لمدة 10 سنوات، حيث أصدر خلاله آلاف الفتاوى الشرعية في مختلف القضايا. وفي عام 1996، تم تعيينه شيخًا للأزهر، ليصبح الإمام الأكبر للمسلمين في العالم السُّني، ويتولى قيادة أكبر مؤسسة دينية إسلامية.

خلال فترة توليه مشيخة الأزهر، واجه العديد من القضايا الفكرية المعقدة، حيث تبنى نهجًا وسطيًا، وكان من أبرز المدافعين عن التجديد في الفكر الإسلامي، دون المساس بالثوابت الدينية. كما كان له دور في الحوار بين الأديان، وسعى لتعزيز العلاقات بين الأزهر ومختلف المؤسسات الدينية العالمية.

مواقفه وآراؤه الفقهية المثيرة للجدل

تميز الإمام الأكبر بأسلوبه الصريح في الحديث والفتوى، وكان له العديد من المواقف الفقهية التي أثارت الجدل، منها:

  • مصافحته للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز عام 2008: حيث أثارت الصورة التي جمعته به جدلًا سياسيًا ودينيًا، لكنه أكد أنها كانت مصافحة عابرة في مؤتمر

وفاته ودفنه في البقيع

في يوم 10 مارس 2010، أثناء زيارته للسعودية للمشاركة في حفل توزيع جوائز الملك فيصل العالمية، تعرض الإمام الأكبر لأزمة قلبية مفاجئة، أسلم بعدها روحه إلى بارئها عن عمر ناهز 82 عامًا.

بوصية ملكية سعودية، تم دفنه في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة، ليجاور الصحابة الكرام وأهل بيت النبي، في مشهد مهيب حضره كبار العلماء والمسؤولين.

إرثه العلمي والفكري

ترك الإمام الأكبر وراءه تراثًا علميًا ثريًا، ومن أبرز مؤلفاته:

  • التفسير الوسيط للقرآن الكريم، وهو تفسير مبسط يناسب العصر الحديث.
  • بنو إسرائيل في القرآن والسنة، دراسته الأكاديمية التي حصل بها على الدكتوراه.
  • العديد من الفتاوى والبحوث الفقهية التي تناولت قضايا العصر.

الخاتمة: عالم أزهري بين التقدير والجدل

بين من يعتبره مجددًا للفكر الإسلامي ومن يراه أثار جدلًا في بعض القضايا، يبقى الدكتور محمد سيد طنطاوي واحدًا من الشخصيات البارزة التي طبعت مسيرة الأزهر في العصر الحديث. كان عالمًا قرآنيًا، اجتهد في تقديم رؤية وسطية للإسلام، وسعى لتطوير الفكر الديني، تاركًا بصمة واضحة في مسيرة الأزهر الشريف.

رحل الإمام الأكبر، لكن فكره وعلمه لا يزالان حاضرين في مكتبات العلم، وشهادات التاريخ، وصفحات الأزهر الشريف.

 

عن أحمد فؤاد عثمان

شاهد أيضاً

ريهام فتحي.. قيادة صناعية مصرية تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الصناعة العالمية

زين العابدين رشدي ريهام فتحي اللو أول امرأة تتولى القيادة في قطاع الحديد والصلب في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *