تقارير-و-تحقيقات

ذكرى ميلاد محمد سيد طنطاوي.. شيخ الأزهر الذي واجه التطرف بفكر الوسطية

 

في مثل هذا اليوم من كل عام، يستعيد الأزهر الشريف والعالم الإسلامي ذكرى ميلاد واحدٍ من أبرز علمائه المعاصرين، الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر الراحل، الذي وُلد في قرية صغيرة بمحافظة سوهاج عام 1928، ليشق طريقه من حفظ القرآن في كتّاب القرية إلى أن يصبح رأس المؤسسة الدينية الأكبر في العالم الإسلامي بين فقر الريف وبساطة الحياة، بدأ الطفل اليتيم أولى خطواته نحو العلم، حتى صار أحد رموز الوسطية والتسامح في مواجهة تيارات التشدد والانغلاق.

وفي الذكرى السابعة والتسعين لميلاده، يظل اسم الشيخ طنطاوي محفورًا في ذاكرة الأمة، كأحد الذين جمعوا بين الجرأة الفقهية والعقل المنهجي، وبين الدفاع عن مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الديني، فكان إمامًا في التفسير، ومفتيًا للشعب، وشيخًا للأزهر ترك بصمات لا تُمحى في تاريخ المؤسسة السنية الأولى في العالم.

من “سليم الشرقية” إلى منبر الأزهر.. رحلة تبدأ من القرآن

وُلد محمد سيد عطية طنطاوي في 28 أكتوبر 1928 بقرية سليم الشرقية بمحافظة سوهاج، في أسرة متواضعة الحال، لكنه سرعان ما تميّز بحبه للعلم وحفظه المبكر للقرآن الكريم. وقد روى الشيخ بنفسه أن والدته توفيت بعد ولادته بأشهر قليلة، فاحتضنته زوجة أبيه التي عاملته كأحد أبنائها، وقال عنها:

“هذه السيدة الفاضلة أثرت في نفسي تأثيراً عميقاً، لأنها ربّتني على الحب والتسامح.”

انتقل الطفل الصغير إلى الإسكندرية ليتلقى تعليمه في معهدها الديني، وهناك بدأ أولى خطواته نحو الخطابة ويروي الشيخ الراحل أنه صعد المنبر لأول مرة وهو في المرحلة الثانوية عندما توفي إمام المسجد في حي “الحضرة”، فطلب منه الأهالي أن يخطب الجمعة ويؤمّ الناس في الصلاة، فاستجاب وقال:

“كنت أحرص على أداء صلاة الجماعة، وخطبة الجمعة كانت بالنسبة لي مسؤولية ورسالة، لا مجرد أداء واجب.”

كانت تلك اللحظة كما وصفها لاحقًا شرارة انطلاق نحو عالم الدعوة والتدريس والعلم، الذي استمر فيه حتى بلغ قمة الأزهر.

العلم طريقه إلى القيادة.. من طالب إلى أستاذ فعميد

تخرج طنطاوي في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر عام 1958، ليبدأ رحلته في وزارة الأوقاف إمامًا وخطيبًا ومدرسًا عام 1960، ثم واصل دراسته العليا حتى نال الدكتوراه في الحديث والتفسير عام 1966 بتقدير ممتاز. بعد ذلك عُيّن مدرسًا في كلية أصول الدين عام 1968، ثم أستاذًا مساعدًا في قسم التفسير بأسيوط عام 1972، وبعدها عميدًا للكلية في العام نفسه.

لم تقتصر مسيرته على مصر، بل امتدت إلى ليبيا والسعودية، حيث انتدب للتدريس أربع سنوات في جامعة ليبيا، ثم انتقل عام 1980 إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ليشغل منصب رئيس قسم التفسير في كلية الدراسات العليا، وهناك عرفه طلابه بالعلم الغزير والتواضع الجمّ، فكان يدرّس التفسير بأسلوب يجمع بين العقل والنص، وبين روح القرآن وواقع الأمة.

اتصال غير متوقع.. بداية رحلة الإفتاء

كانت نقطة التحول الكبرى في حياة طنطاوي حين تلقى اتصالًا هاتفيًا من الشيخ جاد الحق علي جاد الحق عام 1986، يخبره بخلو منصب مفتي الديار المصرية. لم يكن الشيخ يعلم الكثير عن طبيعة الإفتاء، فقال له صراحة:

“أنا مدرس تفسير ولست فقيهًا، والمفتي يجب أن يكون من كلية الشريعة.

لكن الشيخ جاد الحق أجابه بأن خدمة الدين لا تعرف التخصصات الجامدة، وقال له:

“الإفتاء أمانة، وإن لم تقبل قد تُلغى الوظيفة.”

فاستجاب طنطاوي قائلاً:

“ما دام الأمر كذلك، أستعين بالله وأقبل.”

ومنذ ذلك اليوم، بدأ مرحلة جديدة من العطاء في دار الإفتاء، حيث جمع بين الفقه والواقع، وواجه قضايا شائكة بجرأة ووضوح، حتى لُقّب بـ”مفتي التجديد”.

شيخ الأزهر.. المسؤولية الكبرى

في 27 مارس 1996، صدر قرار تعيينه شيخًا للأزهر الشريف، ليخلف الشيخ جاد الحق، ويبدأ مرحلة استمرت أربعة عشر عامًا، كانت مليئة بالتحديات الفكرية والسياسية عُرف طنطاوي بتمسكه بوسطية الأزهر، وسعيه إلى تجديد الفكر الديني بما يتوافق مع روح الإسلام.

ففي عهده، واجه الحملات المتطرفة التي حاولت النيل من مكانة المرأة المسلمة، ودافع عن حقها في التعليم والعمل، مؤكدًا أن الإسلام كرّم المرأة تكريمًا عظيمًا، وقال في أحد لقاءاته:

“المرأة نصف المجتمع، ولا يجوز حجبها عن دورها الإنساني والديني.”

هذه المواقف جعلته هدفًا للهجوم من بعض التيارات المتشددة التي رأت فيه صوتًا إصلاحيًا يهدد نفوذها، لكنه لم يتراجع، وظل متمسكًا بمبدئه في أن “الاجتهاد ضرورة لا بديل عنها”.

مواقفه المثيرة للجدل.. بين التجديد والمحافظة

لم يكن طنطاوي شيخًا تقليديًا، بل كان يحمل فكرًا إصلاحيًا أثار الجدل داخل المؤسسة الدينية وخارجها فقد دعم فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية، ودعا إلى الحوار مع غير المسلمين، مؤكدًا أن الإسلام دين رحمة لا عداء.
كما أصدر فتاوى جريئة، أبرزها فتواه بجواز الاقتراض البنكي المشروع وفقًا لضوابط محددة، وفتواه حول التبرع بالأعضاء باعتباره عملًا إنسانيًا مشروعًا إذا لم يترتب عليه ضرر.

ومن أشهر مؤلفاته “الفقه الميسر” والتفسير الوسيط للقرآن الكريم، وهما من أبرز الكتب التي تبناها الأزهر في مناهجه لتبسيط المفاهيم الشرعية لغير المتخصصين، في إطار مشروعه لمحاربة الغلو ونشر الاعتدال.

منبر الوسطية.. الدفاع عن الإسلام في المحافل الدولية

كان الشيخ طنطاوي من أكثر علماء الأزهر انفتاحًا على الحوار العالمي، فشارك في مؤتمرات دولية عدة، ودافع عن صورة الإسلام في وجه الحملات الغربية التي ربطت بين الدين والإرهاب، مؤكدًا أن الإسلام براء من العنف.
وفي إحدى كلماته الشهيرة قال:

“الإسلام لم يأتِ ليهدم حضارة، بل ليقيم حضارة قائمة على العدل والرحمة والعقل.”

وقد كرّمه الملك عبد الله بن عبد العزيز في السعودية بدعوته للمشاركة في مؤتمر الحوار بين الأديان، وهو المؤتمر الذي شهد حضوره الأخير قبل وفاته.

وفاته في أرض الحرمين.. وداع العلماء

في 10 مارس 2010، وأثناء عودته من الرياض بعد مشاركته في مؤتمر جائزة الملك فيصل العالمية، تعرّض الشيخ طنطاوي لأزمة قلبية مفاجئة في مطار الملك خالد الدولي، ليلقى ربه عن عمر ناهز 81 عامًا.
أُقيمت عليه صلاة الجنازة في المسجد النبوي الشريف، ودفن في مقبرة البقيع إلى جوار الصحابة والتابعين، في مشهد مهيب حضره كبار العلماء والمسؤولين، بينما عمّ الحزن العالم الإسلامي.

وأصدرت نقابة الأشراف والمجلس الأعلى للطرق الصوفية والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بيانات نعي تؤكد أن الأمة فقدت عالمًا من طراز فريد، جمع بين العلم والعمل، والاعتدال والشجاعة الفكرية.

جائزة التسامح.. تخليد الاسم والرسالة

وفي عام 2019، أعادت جامعة سوهاج إطلاق جائزة التسامح والحوار الديني باسم الإمام الأكبر الراحل، تخليدًا لذكراه ودوره في نشر قيم التعايش، وأكد رئيس الجامعة آنذاك الدكتور أحمد عزيز أن هذه الجائزة “أقل ما يمكن تقديمه لأحد أعلام سوهاج والأزهر الشريف، الذي علّم أجيالًا من العلماء معنى التسامح الديني الحقيقي”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى