رئيس جامعة الأزهر يكشف أسرار إعجاز الهجرة في مشهد الغار القرآني

كتب :مصطفى على
في ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، يعيد رئيس جامعة الأزهر فضيلة الأستاذ الدكتور سلامة داود تأملاته العلمية والروحية في وجوه إعجاز القرآن الكريم من خلال آية الهجرة الواردة في سورة التوبة، والتي رسمت بدقة إلهية مشهداً تاريخياً فارقاً في حياة الدعوة الإسلامية، مشهد الغار الذي وقف فيه التاريخ مذهولًا، والقرآن مخلِّدًا، والملائكة نازلة بالسكينة، والرب جل جلاله ينصر رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم حين تخلى عنه القريب والبعيد.
آية الهجرة.. لحظة استثنائية في مسار الرسالة المحمدية
يفتتح الدكتور سلامة حديثه بآية عظيمة من سورة التوبة:
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ (التوبة: 40)
وهي آية تجسد قمة التجلي الإلهي في دعم النبي صلى الله عليه وسلم في أحلك الظروف، حين خرج من مكة مهاجراً بعد أن تآمرت عليه قريش لاغتياله، فاستخفى في غار ثور مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي قال: “لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا”، فيرد عليه النبي مطمئنًا: “لا تحزن إن الله معنا”.
وفي هذه الآية الكريمة يكمن إعجاز بياني وبلاغي ومعنوي، يضع القارئ في قلب الحدث، ويعيد تشكيل اللحظة وكأنها تتكرر الآن أمام عينيه، بتفاصيلها ومخاوفها ونورها.
تأملات ميدانية: حين زار الدكتور سلامة غار ثور بنفسه
يشارك رئيس الجامعة تجربة شخصية مؤثرة حين صعد بنفسه إلى غار ثور قبل أكثر من عشرين عامًا، حيث لاحظ التكوين الطبيعي للغار، وارتفاع أرضيته الداخلية عن فمه، وهو ما يجعل من المستحيل رؤية من بداخله دون الانبطاح أرضًا ووضع النظر عند القدمين بدقة تلك الملاحظة الميدانية التي اكتشفها بنفسه، أضاءت له أفقًا جديدًا في فهم قول أبي بكر: “لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا”، ليدرك مدى دقة التعبير وكمال المشهد، حتى في أدق تفاصيله الجغرافية.
بلاغة الضمير وأسرار البيان في “إِلَّا تَنْصُرُوهُ”
من وجوه الإعجاز التي تناولها الدكتور داود، أن الآية افتتحت بضمير الغيبة “الهاء” في ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾، رغم عدم ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم صراحة في السياق السابق، وهذا يدل على عظمة المقام وعِظم الحدث، إذ لا يتصور القارئ أن المقصود بالنصر في هذا الموضع هو غير رسول الله فكأن ذكر اسمه معلوم في الفطرة والوجدان قبل أن يُذكر باللفظ، وهذا من عمق إعجاز البيان القرآني.
ثم يأتي الفعل الماضي “نَصَرَهُ” بدلاً من المتوقع “سينصره” للدلالة على أن النصر الإلهي قد تحقق وانتهى أمره، وهو أمر واقع لا احتمال فيه، ومضى كما تمضي سنن الله الثابتة ويتأكد هذا التحقق بـ”قد”، لتصبح العبارة: “فقد نصره الله” توكيدًا مضاعفًا لا يحتمل التأويل أو التأخير.
مشهد الغار.. ثلاثة أبعاد لغوية وروحية وبيانية
يرى الدكتور داود أن تكرار “إذ” ثلاث مرات في الآية ليس تكرارًا عاديًا، بل هو أسلوب قرآني لتعميق حضور اللحظة في وجدان المتلقي:
﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: تؤرخ لبدء الرحلة القسرية من مكة.
﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾: تحدد لحظة الاختباء في موضع بدا ضيقًا لكنه احتضن أوسع رسالة.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾: تسلط الضوء على لحظة التثبيت المعنوي والروحي.
ويضيف أن إسناد الفعل “أخرج” إلى “الذين كفروا” هو من قبيل المجاز العقلي، إذ كانوا السبب المباشر في إخراج النبي، فجاء التعبير كأنهم هم الفاعلون الحقيقيون، لتأكيد جرأتهم وظلمهم.
“الغار” في لغة القرآن.. من موضع إلى معلم تاريخي خالد
عند قوله تعالى: ﴿فِي الْغَارِ﴾، فإن التعريف بـ “أل” يدل على أن الغار لم يعد مكانًا مجهولًا، بل أصبح معلمًا من معالم التاريخ والدعوة والنبوة، معروفًا عند الأمة، بل ومزارًا حيًّا لا ينقطع ذكره حتى قيام الساعة وفي كلمة “غار” نفسها دلالة لغوية على العمق والبعد والسرية، مما يعكس تمامًا طبيعة المكان وظروف الحدث.
“لا تحزن إن الله معنا”.. الرسالة الأبدية للقلوب الحزينة
قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: “لا تحزن” ليس فقط تهدئة لصاحبه، بل منهجٌ إيمانيٌ خالد، يثبت أن المعية الإلهية أعظم من كل تهديد وأقوى من أي عدو وهذا الخطاب له جذر قرآني أيضًا في قصة أم موسى حين قال الله لها: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، فجمع بين التثبيت والخبر الصادق.
وتتجلى المعجزة في أن كلمة واحدة “لا تحزن” استطاعت أن تمسح الخوف من قلب الصدّيق، وأن تكون إعلانًا للعالم أجمع أن المعية الإلهية كافية للنصر، ولو اجتمع العالم على غير ذلك.
“إن الله معنا” عقيدة النصر وسر الصمود
تُعد عبارة: “إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا” مفتاحًا إيمانيًا لطمأنينة القلب، ونورًا يرشد كل داعية ومجاهد ومظلوم ومضطهد المعية هنا معية خاصة، تشمل النصر والتأييد والحماية والرعاية الإلهية، وهي الكنز الذي لا يُهزم من يملكه.
وتؤكد الآية أن من كان الله معه فلا يُغلب أبدًا، ومن فقد المعية الإلهية فمهما اجتمع عليه الناس فلن يغنوا عنه شيئًا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾.
من الغار إلى العالم.. كيف يُنصر الحق حين يُخذل
إن آية الهجرة، كما يشرحها الدكتور سلامة داود، ليست مجرد تصوير بلاغي لحدث تاريخي، بل هي درس خالد في الإيمان والثقة بالله، وبيان إعجازي يُثبت أن القرآن لا يُحاكى ولا يُضاهى.
في زمن الغار كان النبي بلا نصير من البشر، لكن معه أعظم ناصر. واليوم، يتكرر هذا المشهد مع كل صاحب حق تخلّى عنه الناس فكما نُصر محمد صلى الله عليه وسلم في الغار، يُنصر كل مؤمن يصبر ويثبت ويوقن أن معيته بالله لا تُقهر.



