دار الإفتاء تحسم الجدل: الصلاة بالنقاب صحيحة ولكنها مكروهة شرعًا دون عذر

تقرير:مصطفى علي
تجدد الجدل بين الفتيات في الجامعات ومصليات النساء حول حكم صلاة المرأة وهي منتقبة، خاصة في ظل التزام كثير من الطالبات بارتداء النقاب طوال اليوم الدراسي وبينما يرى البعض أن تغطية الوجه لا يتعارض مع أداء الصلاة، جاءت فتوى دار الإفتاء المصرية لتضع النقاط على الحروف، محددة الحكم الشرعي بدقة في هذه المسألة التي تتكرر أسئلتها كل عام.
ففي ردها على سؤال لطالبة جامعية لاحظت زميلاتها المنتقبات يؤدين الصلاة في مصلى الجامعة وهن مسدلات للنقاب على وجوههن، أكدت دار الإفتاء أن صلاة المرأة بالنقاب صحيحة، إلا أنها مكروهة شرعًا إذا لم يكن هناك عذر معتبر، موضحة في الوقت ذاته الضوابط الفقهية الدقيقة التي تضبط هذه المسألة.
شروط صحة الصلاة: ستر العورة بما أوجبه الشرع
استهلت دار الإفتاء فتواها بتوضيح القاعدة الشرعية الكبرى في هذا الباب، وهي أن ستر العورة من شروط صحة الصلاة، مستندة إلى قول الله تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31].
وبيّنت الدار أن المقصود بـ”الزينة” في الآية هو ستر العورة، أي وجوب تغطية الجسد بما يستر مواضع العورة أثناء الصلاة، وهو ما نص عليه الإمام فخر الدين الرازي في “مفاتيح الغيب”، مشيرة إلى ما ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«لا تُقبَل صلاة حائض إلا بخمار»
(رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد).
وفسرت دار الإفتاء “الحائض” هنا بأنها المرأة البالغة، لتؤكد بذلك أن ستر الرأس والبدن شرط لا غنى عنه لصحة الصلاة.
عورة المرأة في الصلاة كما حددها الفقهاء
وأوضحت دار الإفتاء أن عورة المرأة في الصلاة تشمل جميع جسدها عدا الوجه والكفين، وهو مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة، بينما أضاف الحنفية القدمين إلى العورة التي يجب سترها.
واستشهدت الفتوى بأقوال عدد من أئمة الفقه من المذاهب الأربعة، مثل ما ورد في “البحر الرائق” للإمام زين الدين بن نجيم الحنفي، و”الشرح الكبير” للإمام الدردير المالكي، و”أسنى المطالب” للإمام زكريا الأنصاري الشافعي، و”مطالب أولي النهى” للإمام الرحيباني الحنبلي.
ثم تناولت دار الإفتاء حكم صلاة المرأة المنتقبة، موضحة أن إسدال النقاب على الوجه أثناء الصلاة ينافي كمال هيئة السجود وتمامها التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم أعضاء السجود السبعة التي يجب أن تباشر الأرض، وهي:
الجبهة مع الأنف، والكفان، والركبتان، وأطراف القدمين، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما:
«أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة وأشار إلى أنفه واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفّت الثياب ولا الشعر»
(رواه الشيخان).
وبيّنت الإفتاء أن النقاب يمنع مباشرة الجبهة والأنف لموضع السجود، مما يجعله مخالفًا للهيئة الأكمل التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يُبطل الصلاة في ذاتها.
استناد فقهي من أقوال الأئمة الأربعة
وأشارت دار الإفتاء إلى ما روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«لا يُصلِّي أحدكم وثوبه على أنفه، فإن ذلك خَطْمُ الشيطان»
(رواه الطبراني).
واستدل العلماء بهذا الحديث على كراهة تغطية الوجه أو الأنف أثناء الصلاة، لما فيه من مشابهة لهذا النهي النبوي كما نقلت الدار إجماع العلماء على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة؛ ليتحقق وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود.
فقد قال الإمام ابن عبد البر في كتابه التمهيد:
“وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف، وأجمعوا على أنها لا تصلي متنقبة.”
وكذلك نقل الإمام ابن القطان في الإقناع:
“وأجمعوا أنها لا تصلي منتقبة.”
الكراهة لا التحريم: بين الوسطية والضوابط الشرعية
وأكدت دار الإفتاء أن هذا النهي لا يُحمل على التحريم بل على الكراهة، مستشهدة بنصوص الفقهاء التي تبين أن فعل ذلك دون عذر يعد من باب الغلو والمبالغة في الاحتياط.
فقال الإمام الدردير في الشرح الكبير:
“ويُكره انتقاب المرأة في الصلاة، لأنه من الغلو.”
وقال الإمام النووي في روضة الطالبين:
“ويكره أن يصلي الرجل ملثمًا، والمرأة متنقبة.”
أما الإمام البهوتي في شرح منتهى الإرادات، فقد قال:
“وتكره صلاتها في نقاب وبُرقع، لأنه يخل بمباشرة الجبهة والأنف ويغطي الفم.
وبذلك يتضح أن الفقهاء أجمعوا على أن النقاب لا يبطل الصلاة، لكنه يخل بكمالها، وأن الكراهة ترتفع في حال وجود حاجة معتبرة شرعًا
متى تزول الكراهة؟
أوضحت دار الإفتاء أن كراهة الصلاة بالنقاب تزول عند وجود سبب معتبر، مثل وجود رجال أجانب في المكان، أو خشية الفتنة أو النظر، وهو ما نص عليه كثير من الفقهاء.
فقال الإمام المواق في التاج والإكليل نقلًا عن الإمام اللخمي:
“يكرهان، وتسدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل.”
وكذلك أوضح الإمام الحصني في كفاية الأخيار:
“إلا أن تكون في مسجد وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر.”
وأشار الإمام البهوتي في كشاف القناع:
“ويكره أن تصلي في نقاب بلا حاجة، فإن كان لحاجة كحضور أجانب فلا كراهة.”
وفسرت دار الإفتاء ذلك بأن الكراهة ترتبط بانتفاء الحاجة، فإذا وُجدت المبررات الشرعية، كحضور الرجال أو الخوف من الفتنة، ارتفعت الكراهة وأصبحت الصلاة بالنقاب جائزة بلا حرج.



