صفوت عمران يكتب: والي عكا ليس خائنا

شاهدنا في فيلم «الناصر صلاح الدين» اتهام والي عكا بأنه خائن وعميل للصليبيين.. فهل كان خائنًا بالفعل؟ فقد ذاع صيت الفيلم السينمائي الذي أخرجه يوسف شاهين، ولا يعلم كثير منا أن هذا العمل الفني به كثير من الأخطاء التاريخية.. أخطاء غير بريئة تنال من المخرج المعروف بانحرافه الفكري وتبعتيه لجهات التمويل الفرنسية ذات الأهداف الخبيثة والتي تستخدم الفنون والثقافة في تزوير التاريخ، وتتلاعب بعقول الجماهير.
الواقع عزيزي القارئ.. أنه بمجرد القول «والي عكا» يتبادر في الأذهان العمل السينمائي «الناصر صلاح الدين» الذي جعل اسم «والي عكا» مثالًا للخيانة في المشهد الشهير الذي جسده الفنان «توفيق الدقن» حينما أمر برمي السلاح في الأبيار المؤدية للبحر و الصيحة الشهيرة: «أين السلاح.. خيانة.. خيانة» وما تَبع المشهد من احتفال والي عكا بدخول الفرنجة المحتلين بسهولة ومقولة الفنان «حمدي غيث» الذي جسد شخصية الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد قائلًا: «معركة عكا كانت نزهة عسكرية لا حرب بالمعني الصحيح»؛ وللأسف كل ما سبق ذكره كان «لزوم تزوير التاريخ» بشكل ليس بريء كما يدعي البعض بأنه «لزوم الحبكة السينمائية».. بل كان متعمدًا لتشوية سيرة بطل مسلم لصالح جهات التمويل الأجنبية معتمدة على أن أغلب الأجيال الجديدة تستمد ثقافتها من السينما والدراما ولا أحد يقرأ أو يدقق!
الحقيقة.. أن والي عكا؛ الذي شوه الفيلم صورته وأظهره خائنًا وعميلًا للصليبيين ولعب دورًا كبيرًا في تسليم عكا، كان بطلًا بمعنى الكلمة، كان قائدًا عظيمًا أراد صناع الفيلم تزوير تاريخه، إنه الأمير بهاء الدين قراقوش، وحسب المصادر التاريخية الموثقة فإن الأمير قراقوش هو أحد كبار مساعدي السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، ومن أخلص أعوانه وأقربهم إليه، وكان قائدًا مظفرًا، وجنديًا أمينًا، ومهندسًا حربيًا منقطع النظير، وقد لعب دورًا مهمًا في مصر والشام وبالتحديد في عكا.
ويبقى السؤال: من هو بهاء الدين قراقوش؟
هو أبو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدي الملقب باسم بهاء الدين كان من رجال الدرجة الأولى في ولاية «صلاح الدين الأيوبي» وأسند الأخير له تنفيذ خطة لحماية القاهرة، التي تشمل قاهرة المُعز والفسطاط والعسكر والقطائع بسور، كما بنى قلعة الجبل «قلعة صلاح الدين» لتأمين القاهرة من الغارات الخارجية، وقد كان قائدًا مشهورًا بالصرامة وارتبط اسمه بالعديد من المواقف الشجاعة.
ولايته على عكا
بعد انتصار صلاح الدين على الصليبيين ونجاحه في طردهم من بيت المقدس، واصل زحفه حتى استولى على أحد أكبر حصونهم في الشام وهو حصن عكا، بعد أن قدم عددًا كبيرًا من الشهداء، وكان الحصن قد تهدمت منه أجزاء كثيرة أثناء المعارك، ورأى صلاح الدين أن يترك عكا أمانة في يد الأمير قراقوش، ويذهب هو ليواصل زحفه لتحرير باقي الأراضي التي احتلها الصليبيون، قبل أن يفيقوا من هزيمتهم في عكا؛ نظرًا لحنكته وذلك لتعمير وتحصين المدينة، فبقي الأمير قراقوش حارسًا للمدينة مع حامية صغيرة، وعمل على ترميم ما تهدَّم من سور المدينة، لكنه ما كاد ينتهي من عمله هذا حتى واجه ما لم يكن في حسبانه، فالصليبيون الذين أجلاهم صلاح الدين عن القدس وهزمهم بعد ذلك في عكا، تجمعوا وزحفوا على عكا من جديد وحاصروها، واستمر حصارهم لها عامين فيما يعرف بالحملة الصليبية الثالثة بقيادة ريتشارد قلب الأسد.
وكان وقتها صلاح الدين مشغولًا بمحاربتهم في مكان آخر بالشام، وذاق قراقوش ومن معه مرارة الحصار داخل أسوار عكا، وتحملوا أقصى ما يمكن أن يتحملوه من عناء وتعب، ونفدت أثناء الحصار الأطعمة، ووجدوا صعوبة شديدة حتى في الحصول على الماء للشرب، وما كان لوالي عكا إلا أنه قرر مهاجمة الصليبيين ففتح أبواب المدينة وخرج في قتالهم ووقع في الأسر، ثم نال حريته في صفقة لتبادل الأسرى بين صلاح الدين وريتشارد.
التاريخ يظلم قراقوش
تعرضت سيرة «بهاء الدين قراقوش» والعديد من أعلام المسلمين للتشويه والانتقاص، بشكل متعمد خاصة في الأفلام والمسلسلات، وللأسف نحن لا نقرأ تاريخنا! لذا من السهل أن يتم تزويره معتمدين على جهل الكثير منا، ونظرًا لأن قراقوش يعتبر شخصًا مغمورًا لا تُذكر سيرته، فقد لا ترى اسمه إلا إذا بحثت في سيرة «صلاح الدين الأيوبي» وإذا شرعت في ذلك سوف تجد بصمات واضحة لـ«قراقوش» في إنجازات السلطان صلاح الدين، لدرجة أن مزوري التاريخ أكسبوه شهرة مزيفة نقلته من قائمة المحاربين والمهتمين بالعمارة الإسلامية إلى قائمة الحمقى والطغاة، إذ ما شاهد أي شخص تصرفًا ظالمًا يصفه بـ«حُكم قراقوش».
1- عهد الناصر صلاح الدين ببناء القلعة إلى نائبه أبو سعيد قراقوش بن عبدالله الأسدي، وهو أحد مماليك عمه أسد الدين شيركوه، وقد عُرِفَ بـ«قراقوش»، وهى كلمة تركية بمعنى: «طائر العُقاب- العُقاب الطائر»، وقد كانت شخصيته موضعًا للعديد من الأساطير والروايات الغريبة في بعض كتب التاريخ، والتي تتحدث عن ظلمه وتعسفه وتصفه بالديكتاتورية والاستبداد، وأنه كان صاحب المتناقضات، ومن ثم كانوا يطلقون على أي حُكم استبدادي في التاريخ المصري لقب: حكم قراقوش؛ ولكننا لا نستبعد أن تكون تلك الروايات التي حيكت حوله من نسج خيال بعض الناقمين عليه؛ نظرًا لعلو همته وحزمه، وأثبتت النصوص عدله وكفايته.
2- اعتمد عليه صلاح الدين منذ أن كان وزيرًا للخليفة العاضد فجعله قائدًا من قواد جيشه، فاستعان به فى حملته إلى بلاد المغرب فى سنة (568هـ/ 72- 1173م)، فاستولى على طرابلس الغرب، فضلًا عن الكثير من بلاد إفريقية؛ وبالتالى ضمن سيادة صلاح الدين على برقة، ومن ثم حماية حدود مصر الغربية.
3- أسند إليه صلاح الدين منصب «زمـام القصر» أى المشرف على شؤونه، وذلك عقب مؤامرة مؤتمن الخلافة جوهر والجند السودانيين (564هـ/ 1169م).
4- أوكل إليه صلاح الدين الأعمال الجِسام فى مصر والشام أثناء انشغاله بمحاربة الصليبيين، وذلك بعد توليه السلطنة على مصر والشام، فأقام السور الدائر (أجزاء منه) وقلعة الجبل بمصر، كما أقامه نائباً عنه فى ولايتي عكا ويافا، وقد نجح فى المقاومة والزود عن الأولى (عكا) ضد الهجوم الصليبى الكاسح بقيادة ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، ولمدة سنتين تقريبًا سنة (587هـ/ 1191م)، ويذكر المؤرخ شهاب الدين أبو شامة الدمشقي فى كتابه «الروضتين فى أخبار الدولتين.. النورية والصلاحية» -(ت 665هـــ/ 1268م)- أن «صلاح الدين قد استغل الهدنة الناتجة عن صلح الرملة الذى عُقد مع ريتشارد سنة (588هـ/ 1192م) فى العمل على خلاص أصحابه من الأسر ومنهم بهاء الدين قراقوش والي عكا السابق والذى تلقاه السلطان بالبشر والبر»، وهو دليل على عظم شأنه وارتفاع مكانته لدى صلاح الدين.
5- كل بطانة صلاح الدين كانت صالحة وعادلة ومنهم مستشاره أبو علي محيي الدين اللخمي المعروف بالقاضي الفاضل، حتى أن صلاح الدين قال عنه: «ما انتصرت بحد السيف وإنما انتصرت بقلم القاضي الفاضل».
6- يكفى لتبرئة قراقوش أنه كان نائبًا للناصر صلاح الدين قمة العدل؛ فكيف له أن يولي ظالمًا النيابة عنه أثناء انشغاله بمحاربة الصليبيين.
وفاته
ظل بهاء الدين قراقوش في خدمة صلاح الدين وولديه لفترة تزيد عن 30 عامًا, توفي في القاهرة سنة 597 هجرية/ 1201 ميلادية، ودُفن بسفح المقطم بالقرب من بئر وحوض أنشأهما هناك، وكان قبره معروفًا حتى القرن التاسع الهجري، الخامس عشر الميلادي.


