تقارير-و-تحقيقات

عبد الرحمن مجدي.. مسؤول التحويلات الذي خدم زملاءه من عزاء والدته

مطالبات بتكريم عبد الرحمن برحلة عمرة.. وأصوات تحذر من استمرار الاعتماد على جهد فرد واحد

كتب : محمود حسن محمود

لم يكن رحيل والدة عبد الرحمن مجدي، مسؤول التحويلات بمشروع علاج الصحفيين، حدثاً عادياً داخل الوسط الصحفي، لكن الأكثر إدهاشاً وإثارة للجدل هو ما فعله عبد الرحمن، إذ ظل ينجز تحويلات العلاج لزملائه ويرد على اتصالاتهم خلال عزاء والدته.

هذا المشهد المؤثر، الذي تناقلته شهادات الصحفيين، كشف عن شخصية نادرة تجمع بين الإخلاص والتفاني في خدمة الآخرين، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية: إلى أي مدى يمكن أن تتحمل المؤسسات مسؤولية اعتمادها على شخص واحد؟

إنسان استثنائي.. شهادات زملاء عبد الرحمن

الكاتب الصحفي عبدالله مفتاح، عضو الجمعية العمومية بنقابة الصحفيين

الصحفي عبدالله مفتاح كتب عبر صفحته الشخصية منشوراً وصف فيه عبد الرحمن بثلاثة مواقف تلخص شخصيته:

  • الموقف الأول: زوجته لاحظت احترام عبد الرحمن حين كان ينهي أوراق التحاليل، إذ لم يرفع عينيه عن الأوراق رغم كثرة الأسئلة والطلبات.
  • الموقف الثاني: ظهر وهو يتناول طعاماً مهروساً على عجل ليسد رمقه، فأخفى علبته سريعاً بخجل كأنه يخشى أن يراه أحد وهو يقتنص دقائق لطعامه.
  • الموقف الثالث: شاهده يعمل بكل جوارحه في آن واحد: يد تكتب التحاليل، وأخرى تمسك الهاتف، ولسانه يجيب على الجالسين أمامه.
الكاتب الصحفي إيهاب المهندس، عضو  الجمعية العمومية بنقابة الصحفيين

جريدة وموقع «اليوم » تواصل مع الكاتب الصحفي إيهاب المهندس، الذي التقط صورة لعبد الرحمن مجدي، حيث أكد قائلاً : خلال تقديم واجب العزاء في والدة الزميل الخلوق عبد الرحمن مجدي، موظف مشروع العلاج بنقابة الصحفيين، فوجئنا – أنا والزميل الصحفي علاء رضوان – به يجلس داخل دار المناسبات منشغلاً بإنهاء مهام عمله وخدمة زملائه كعادته”.

وأوضح بأن هذا المشهد المؤثر يجسد أسمى معاني الوفاء والتربية الصالحة التي غرستها فيه والدته الراحلة، رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته، وقد بدا واضحاً أن أقل ما يمكن للناس أن يقدموه هو المشاركة في عزائها بمسجد الطالبية بين الهرم وفيصل، تقديراً لما زرعته من ثمرة طيبة في ابنها.

 محمد الجارحي: عند علمه بوفاة والدته رفض أن يسلم حقيبته أو يستعين بزميل آخر، وأصر على استكمال مهمته بنفسه

وكيل نقابة الصحفيين للرعاية الصحية والاجتماعية

عضو مجلس النقابة محمد الجارحي أصدر تعليقاً مطولاً عبر جروب “أخبار نقابة الصحفيين”، وأوضح فيه أن ما قام به عبد الرحمن موقف عظيم، لكنه في الوقت ذاته “غير مستحب”، مضيفاً: عند علمه بوفاة والدته رفض أن يسلم حقيبته أو يستعين بزميل آخر، وأصر على استكمال مهمته بنفسه.

وأشار إلى إنه جرى تكليف الزميل إيهاب أحمد بمساعدته حتى تتاح له فرصة الوداع اللائق، لكنه رفض ترك عمله، وأوضح بأن النقابة كانت سنداً لعبد الرحمن خلال رحلة مرض والدته، ولا مجال للتشكيك في ذلك، مؤكداً بإنه ستُعاد قريباً مسابقة اختيار مساعد له بعد أن لم تسفر المسابقة السابقة عن نتيجة مناسبة.

ويجري العمل حالياً على مشروع التحول الرقمي الذي سيمكن الصحفيين من الحصول على الخدمة الطبية مباشرة عبر الكارنيه وكلمة مرور لمرة واحدة، وهو ما سيسهم في تقليل الضغط على عبد الرحمن.

الجارحي ختم تعليقه قائلاً: “الأم لا يسبقها شيء، وسأجلس مع عبد الرحمن حتى لا يتكرر هذا الأمر مستقبلاً، فمكانه الطبيعي أن يكون بجوار أسرته في مثل هذه اللحظات.”

دعوات لتكريم الموظف المثالي عبد الرحمن 

لم يتوقف النقاش عند حدود التعاطف، بل امتد إلى دعوات لتكريم عبد الرحمن، حيث أحد الصحفيين اقترح عبر جروب “أخبار نقابة الصحفيين” أن يتم منحه رحلة عمرة تقديراً لإخلاصه، لكنه في الوقت نفسه وجه نقداً لاذعاً للاعتماد الكلي على شخص واحد:
“لا يوجد عمل مؤسسي في الدنيا يعتمد على فرد مهما كان مخلصاً، وما دفع عبد الرحمن للعمل أثناء عزاء والدته هو غياب البديل الحقيقي، وهو أمر تتحمله النقابة.”

الإنسان قبل المؤسسة

قصة عبد الرحمن مجدي ألقت الضوء على معادلة معقدة بين الإخلاص الفردي والقصور المؤسسي، فهي من جهة تكشف معدناً نادراً لرجل جعل خدمة زملائه رسالته في الحياة، لكنها في المقابل تطرح تساؤلات مشروعة حول دور النقابة في توفير بدائل وحلول مؤسسية تضمن استمرار الخدمة دون أن يتحول الموظف المخلص إلى “جندي وحيد”.

رحم الله والدة عبد الرحمن، وشفى الله والده، وجعل ما يقدمه في ميزان حسناته، وألهم الوسط الصحفي درساً بليغاً: خدمة الناس أمانة ورسالة، لكنها لا تعني أن يحملها فرد واحد وحده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com