
تقرير: سمر صفي الدين
أثارت لقطة لاعب منتخب الجزائر محمد الأمين عمورة عقب نهاية مباراة الجزائر والكونغو الديمقراطية في كأس الأمم الإفريقية 2025 جدلًا واسعًا، بعدما قلد حركة أحد المشجعين الكونغوليين في المدرجات، في مشهد اختصر بين الرياضة والرمزية الوطنية.
ورغم فوز الجزائر بهدف نظيف وتأهلها إلى ربع النهائي، تحول المشهد بسرعة من إطار رياضي بحت إلى قضية رأي عام على منصات التواصل الاجتماعي، إذ فسّر كثيرون تصرف عمورة على أنه سخرية غير لائقة من شخصية أيقونية.
المشجع الأيقونة
لم يكن المشجع الكونغولي ميشيل نكوكا مبولادينجا مجرد متفرج عادي، بل أصبح أيقونة بصرية للبطولة، بعدما اعتاد الوقوف ثابتًا رافعًا ذراعه دون حركة، مقلدًا تمثال الزعيم التاريخي باتريس لومومبا.
هذا الثبات اللافت، الذي استمر لما يقارب 438 دقيقة خلال مباريات منتخب بلاده، جذب عدسات الكاميرات وأثار إعجاب الجماهير، حتى بات رمزًا للصمود والهوية الوطنية الكونغولية داخل المدرجات.

الاعتذار ومحاولة احتواء الأزمة
أمام تصاعد الانتقادات، قدم عمورة اعتذارًا رسميًا عبر حسابه على “إنستغرام”، مؤكدًا أن تصرفه لم يكن يحمل أي نية إساءة.
أوضح أن أجواء المباراة المشحونة دفعته إلى تصرف عفوي بدافع المزاح، دون إدراك للبعد الرمزي للشخصية.
وشدد على احترامه للمنتخب الكونغولي وجماهيره، متمنيًا لهم التوفيق مستقبلًا، في محاولة لاحتواء الأزمة وإغلاق باب التأويلات السلبية.

دموع المشجع ورسالة أكبر
زاد المشهد إنسانية حين رصدت الكاميرات دموع المشجع الكونغولي بعد هدف الجزائر القاتل، في لحظة جسدت قسوة المنافسة الكروية وعمق الارتباط العاطفي بالجماهير.
وبين احتفال اللاعب ودموع المشجع، بدت الواقعة رسالة أوسع عن كرة القدم الإفريقية، حيث تختلط الرمزية الوطنية بالمشاعر الجياشة، وتتحول المدرجات أحيانًا إلى مسرح للجدل بقدر ما هي ساحة للفرح والحزن.
من هو باتريس لومومبا؟
وُلد باتريس إيميري لومومبا في 2 يوليو 1925 بالكونغو البلجيكية، وتلقى تعليمه في مدارس تبشيرية قبل أن يعمل في شركة تعدين وكذا عمل في الصحافة ومكتب بريد.
تزوج من بولين أوبانجا وأنجبا ستة أطفال، عاشت عائلتهم بعد اغتياله تحت حماية الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
وقد شكل لومومبا رمزًا للنضال الإفريقي ضد الاستعمار وأحد أبرز الزعماء القوميين في القرن العشرين.

نشأة سياسية ونقابية
انخرط لومومبا في العمل النقابي منذ خمسينيات القرن العشرين، وتولى عام 1955 رئاسة نقابة عمالية مستقلة لموظفي الحكومة، ما أكسبه استقلالية وتأثيرًا متزايدًا.
في 1956، دعي ضمن وفد دراسي إلى بلجيكا، لكنه بعد العودة اعتقل بتهمة اختلاس أموال من مكتب البريد، وحكم عليه بالسجن 12 شهرًا مع غرامة مالية.
تأسيس الحركة الوطنية الكونغولية
بعد خروجه من السجن، أسس في أكتوبر 1958 الحركة الوطنية الكونغولية (MNC) مع قادة آخرين، لتصبح أول حزب سياسي يسعى لاستقلال الكونغو.
ورفض القوميون برنامج الاستقلال التدريجي الذي عرضه البلجيكيون، واعتبروه محاولة لتثبيت عملاء قبل الاستقلال.
واندلعت الاحتجاجات وقمعها أدى إلى مقتل 30 شخصًا واعتقال لومومبا بتهمة التحريض، قبل أن يشارك في مؤتمر بروكسل ويحدد استقلال الكونغو في 30 يونيو 1960. ليصبح أول رئيس وزراء في 24 يونيو، فيما تولى جوزيف كاسافوبو رئاسة الدولة.
الصراع مع الانفصاليين وبلجيكا
واجه لومومبا تحديات كبيرة بعد إعلان الاستقلال، خصوصًا انفصال إقليم كاتانغا بقيادة مويس تشومبي بدعم بلجيكي.
حاول استعادة السيطرة وطلب دعم الأمم المتحدة، لكن المنظمة فرضت وقف إطلاق النار، ما دفعه لطلب مساعدة الاتحاد السوفيتي، ما أثار غضب الولايات المتحدة ووضعه ضمن أولويات وكالة المخابرات المركزية للإطاحة به.

اغتياله العنيف وتقطيع جسده وإذابته
في هذا الصدد، أوضح الباحث في الشأن الإفريقي ربيع أبو زامل أن “في 17 يناير 1961، سُلم لومومبا ورفيقاه جوزيف أوكيتو وموريس مبولو إلى سلطات الانفصال في كاتانغا، حيث تعرضوا للضرب والتعذيب قبل أن يعدموا بإطلاق الرصاص تحت إشراف ضباط بلجيكيين.
ودفنت جثثهم في قبور ضحلة ثم قطعت إلى أشلاء وأذيبت في حمض في محاولة لإخفاء الجريمة، بينما حاولت حكومة كاتانغا تبرير وفاته بإشاعة أنه هرب، لكن الحقيقة سرعان ما تكشفت”.
وقال أبو زامل في حديثه لـ”اليوم”: “لم تتعامل مصر في عهد عبد الناصر مع اغتيال لومومبا كحدث داخلي، بل اعتبرته جريمة سياسية مكتملة الأركان في قلب معركة التحرر الإفريقي”.
بقيادة سعد الدين الشاذلي.. إنقاذ أسرته
في سياق متصل، أوضح الباحث أن “لومومبا طلب رسميًا من عبد الناصر حماية أسرته، واستجابت القاهرة دون تردد، حيث وفرت الدولة الحماية عبر الفوج المصري التابع لقوات الأمم المتحدة، قبل إلقاء القبض على لومومبا نفسه. ولعب الأكاديمي المصري عبد العزيز إسحق، مستشار سابق في السفارة المصرية في ليوبولدفيل، دورًا محوريًا في تهريب أبناء لومومبا سرًا من الكونغو مرورًا بأوروبا وصولًا إلى القاهرة. واستخدم إسحق سيارة جيب تابعة للأمم المتحدة برفقة القائد العسكري سعد الدين الشاذلي لاقتحام منزل لومومبا في غفلة عن قوات موبوتو وحصارها”.
كما أضاف أبو زامل: “تم تهريب الأبناء الثلاثة إلى أحد المباني التابعة لمصر في الكونغو، وكان بحوزة إسحق جواز سفر مزور بأسماء عربية للأطفال، وطُلب منهم التظاهر بالنوم حتى إقلاع الطائرة. نجحت العملية السرية في نقل الأسرة وزوجته إلى القاهرة. حيث استقروا في حي الزمالك تحت الرعاية المباشرة للدولة، والتحق الأبناء بمدارس فرنسية بعيدًا عن أي ملاحقة سياسية، وأقاموا في ‘البيت الإفريقي’ الذي أسسه إسحق لتعزيز التواصل بين مصر وبلدان القارة”.

إرث لومومبا وتأثيره المستمر
رغم مرور عقود، بقي لومومبا رمزًا للحرية والاستقلال الأفريقي، واعتبره الكثيرون بطلًا قوميًا، حتى أنه تم تخليد اسمه في شارع بحي الأزريطة، محافظة الإسكندرية.
في 2001 أكدت التحقيقات البلجيكية تورط الحكومة في اغتياله، واعترفت بلجيكا رسميًا بمسؤوليتها الأخلاقية عام 2002 واعتذرت لأسرته والشعب الكونغولي.
وفي 2016 اكتُشف ضرسه وأودع في ضريح في كينشاسا، ليصبح شاهدًا على نضاله وتضحياته.
لقد جسد رؤية قومية أفريقية عابرة للعرقيات والقبليات، وسعى لوحدة الكونغو والحرية للشعب، تاركًا إرثًا خالدًا يلهم كل من يناضل ضد الاستعمار والقهر.



