عصام عمران يكتب: الظاهرة الترامبية!

انقضى عام على تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مقاليد الحكم فى ولايته الثانية لرئاسة الولايات المتحدة وما زال الكثيرون يتساءلون حول ما إذا كان ترامب غير معني بالأيديولوجيا في سياساته، حتى في دعمه إسرائيل، أم أنه جزء من تيار أيديولوجي متماسك نشأ في رحم الحزب الجمهوري وتطور خلال العقود الماضية؟ هذا ليس سؤالًا نظريًا بقدر ما هو مفتاح لفهم لحظة سياسية أمريكية أوسع؛ لحظة لا تُختصَر في شخص ترامب، وإنْ يمثّل ذروتها الأكثر فجاجة ووضوحًا.
الجواب الأقرب إلى الواقع: الاثنان معًا، فترامب ليس رجل أيديولوجيا بالمعنى الكلاسيكي: لا يحمل منظومة فكرية متماسكة، ولا يتعامل مع السياسة من زاوية الأفكار الكبرى أو المشاريع التاريخية، فهو، أولًا وأساسًا، شخص نرجسي، تظهر في خطابه وسلوكه سمات واضحة، مركزية الذات، الهوس بالصورة، الحساسية المُفرِطة تجاه النقد، البحث الدائم عن الاعتراف والتصفيق، وهذه السمات النفسية جزء من بنيته السياسية؛ لأنها تفسر لماذا لا يتعامل مع السياسة قضية عامة، بل منصة لإعادة إنتاج الذات وتضخيمها.
ومن هذا المنطلق فإن أخطر من ترامب نفسه أن المنظومة التي أنتجته لا تزال حيوية وفاعلة، وعلينا ألا ننسى أنه رجل أعمال وعقارات، عقلية الصفقة عنده ليست استعارة لغوية، بل طريقة تفكير كاملة: ربح وخسارة، ضغط وتنازل، ابتزاز ومكافأة ،العلاقات الدولية في نظره علاقات قابلة للمقايضة، لا يتحدث عن التحالفات بل عن: من يدفع، و هنا تحديدًا نفهم فكرة: أنا أولًا (كما وصفه الكاتب الأمريكي توماس فريدمان) فهو ليس معنيًا بالديمقراطية أو حقوق الإنسان، هي في نظره مساحيق تجميل للحلم الأمريكي الحقيقي، ولا قيمة واقعية لها، فالقيمة الرئيسية التي يؤمن بها ترامب هي القوة والمصالح السياسية والاقتصادية، وهو يرى أن هذا هو الحلم الأمريكي الحقيقي.
و مع ذلك، فإن هذه الصورة وحدها لا تفسر الظاهرة أو التجربة الترامبية، فلو كان ترامب مجرد نرجسي ورجل صفقات، لما استطاع أن يتحول إلى ظاهرة سياسية كاسحة، ولا أن يعيد تشكيل الحزب الجمهوري وقاعدته الاجتماعية.
لم ينشأ ترامب في فراغ، فهو نتاج مسار طويل داخل اليمين الأمريكي، بدأ مع صعود تيارات المحافظين الجدد، التي وصلت إلى البيت الأبيض مع جورج بوش (الابن) في بداية الألفية، وقادت أمريكا في مرحلة ما سُمّي: الحرب على الإرهاب، وهي المرحلة التي شهدت تعزيزًا وتكريسًا للتحالف مع الحركة المسيحية الصهيونية، فامتزج الدين بالقومية، والأمن بالعقيدة، والسياسة بالدعاوي الدينية، في إطار ما سُمّي بـ«الصوابية السياسية».
تلك المرحلة أسست لفكرة أمريكا الرسالية، التي ترى نفسها قوة أخلاقية مكلفة بإعادة تشكيل العالم ،ثم جاءت مرحلة الانكسار، فشل المشاريع الخارجية في العراق وأفغانستان، ثم الأزمة الاقتصادية، وصعود باراك أوباما الذي مثل ردًا واضحًا على تلك الدعاوى والأفكار، وشكل رافعة للحزب الديمقراطي للإمساك مرة أخرى بزمام المبادرة السياسية؛ لكن ذلك لم يؤد إلى إضعاف القاعدة الاجتماعية الصلبة للمحافظين الجدد، بل إلى تطوير خطاب يدعي الدفاع عنها وحماية مصالحها، فاستُثمر كثيرًا في تآكل الثقة بالمؤسّسات، وتصاعد الشعبوية البيضاء، والخوف من التحولات الديموغرافية والثقافية.
أعقب ذلك ظهور تيار جديد داخل اليمين: أكثر غضباً، أقل نخبوية، أكثر عداء للمؤسسات، وأكثر التصاقًا بالهُوية البيضاء المسيحية المحافظة، وهو ما أعطى زخمًا لعنوان مناسب لهذه التحولات يتمثل في: أمريكا أولًا، ليس شعارًا اقتصاديًا فقط، بل هُوية ثقافية كاملة: أمريكا البيضاء، المسيحية- البروتستانتية، الأنجلو- ساكسونية.
وكان ذلك كله تمهيدًا تاريخيًا وفكريًا وسياسيًا لبروز ظاهرة ترامب.
أخيرًا، يمكننا القول أن ترامب لم يصنع هذا التيار؛ لكنه كان الشخص القادر على تمثيله بلا أقنعة، إذ كسر الخطوط الحمراء، في اللغة، في الخطاب، في الأخلاق السياسية، في العلاقة مع الإعلام، في احتقار المؤسسات؛ لذلك التف حوله التيار المسيحي الصهيوني، الذي يمثل أحد أكثر التيارات تنظيمًا وتأثيرًا داخل القاعدة الجمهورية، فلم يعد دعم إسرائيل مجرد صفقة سياسية، بل التقاء مصالح عميق، هم يرون في إسرائيل جزء من تصور لاهوتي للعالم، وهو يراهم كتلة انتخابية صلبة، شديدة الولاء، عالية التعبئة، وقادرة على توفير الدعم المالي والسياسي والإعلامي.
من هنا، ندرك أن ترامب، أو بتعبير أدق «الترامبية» بمثابة مزيج معقد من العقيدة والمصلحة، والأهم أن الظاهرة ليست مرتبطة بترامب بوصفه فردًا، فالسياق الذي حمله قادر على حمل غيره، وهو البنية الاجتماعية والسياسية داخل الحزب الجمهوري التي شهدت تحولات كبيرة خلال العقود الماضية، ليرتفع سؤال الهُوية السياسية، ويحتل مرتبة متقدمة في قيم هذا الجمهور.
وسيظهر ذلك جليًا في استراتيجية إدارة ترامب للأمن القومي الأمريكي 2026، إذ لم تعد السياسة الخارجية تُبنى على فكرة القيادة العالمية، بل على منطق الحصار والتهديد والقوة والانكفاء، ما هو أخطر من ترامب نفسه أن المنظومة التي أنتجته لا تزال حيوية وفاعلة، فالغضب الاجتماعي ما زال حاضرًا، والاستقطاب يتعمق، والثقة بالمؤسسات تتآكل، والخطاب الشعبوي يتحول من حالة استثنائية إلى نمط دائم في السياسة الأمريكية، لتتجاوز «الترامبية» هنا أن توصف بأنها مرحلة عابرة، بل تصبح صيغة جديدة للعمل السياسي: تبسيط مفرط، شيطنة الآخر، تقديس الهُوية، وتسليع السياسة، كما يلاحظ المفكر وعالم السياسة المعروف، فرانسيس فوكوياما، في كتابه: «الهُوية.. مطلب الكرامة وسياسات الاستياء».

