الرئيسيةعرب-وعالم

مبدأ “دون-رو”: إعادة رسم خرائط العالم على أنقاض الإرث البريطاني

خالد عمر لليوم: ترامب يشعرك أنك أمام جنكيزخان أو هولاكو

تقرير: مروة محي الدين

بين عشية وضحاها، استيقظ العالم على بلد اختطف رئيسه من قصره الجمهوري، وضربت عاصمته كاراكاس بغارات جوية مكثفة، خلال الأيام الأولى لعام 2026، تلك كانت فنزويلا، الضحية الأولى للرئيس الأمريكي ذو الأطماع التوسعية “دونالد ترامب”.

وهي الأولى لأنه لم يكتف بها، بل راح يطلق وابلا من التهديدات، امتدت نيرانه لتهدد كوبا، وتضع كولومبيا تحت المجهر، ووصل لتأكيد تهديداته بغزو جرينلاند، والصدام المباشر مع إيران، بما جعل من فنزويلا أولى طلقات استراتيجية الضغوط القصوى، التي ينتهجها منذ بدأ ولايته الثانية.

​من مونرو إلى دون-رو 

مبدأ مونرو: هو المبدأ الذي أرساه الرئيس الأمريكي الخامس “جيمس مونرو”، ويعد أحد أهم ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية، بهدف إلى حماية القارة الأمريكية من الاستعمار الأوروبي، حيث يعتبر أية محاولة لاستعمار آي جزء من الأمريكتين عملا عدائيا ضد الولايات المتحدة، ويؤكد على انفصال الأنظمة السياسية في القارتين عن الأنظمة الملكية في أوروبا.

أما مبدأ دون رو- Donroe Doctrine: هو تعديل حديث أدخل على المبدأ السابق، ينقله من المبدأ الدفاعي للهجومي، ويضيف اسم الرئيس الأمريكي الحالي “Donald” لمبدأ مونرو، وقد شاع استخدامه مؤخرا في وصف سياسات الرجل الجديدة، تجاه نصف الكرة الغربي، ويركز على فرض الهيمنة الآمريكية المطلقة، بدلا من مجرد الحماية، محددا أهدافه في:

أ) مواجهة النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية، بدلًا من الاستعمار الأوروبي،

ب) العمل الاستباقي، حيث يرى “ترامب” أحقية الولايات المتحدة في التدخل المباشر لضمان أمنها القومي، وقد أضحى هذا الهدف واضحًا عقب ضرب فنزويلا،

جـ) ربط الأمن بالتجارة، واعتبار منطقة الكاريبي وأمريكا الجنوبية الحديقة الخلفية، التي يجب أن تخضع لمعايير واشنطن.

وقد علق الدكتور “خالد عمر”- الخبير السياسي وخبير التجارة الدولية- في تصريحات خاصة لموقع اليوم، على تلك العقيدة التوسعية، فقال: “الموقف في غاية الدقة، ترامب يعيش حالة عدم اتزان، منذ خسارته الانتخابات السابقة أمام بايدن، واتضح ذلك بعد عودته، حيث بدأ يدير الأمر بنوع من الغطرسة، التي يسودها منطق الانتقام، الموجه نحو كل الناس، من الشعب الأمريكي إلى السياسيين ورجال القانون ورجال المال والأعمال، فهو شخصية غير سوية وغير طبيعية، تشعر أمامه أنك أمام جنكيزخان أو هولاكو جديد، شخصية تصادمية إمبريالية، يصعب توقع تصرفه القادم، وهو ما يظهر في عقيدته التوسعية، كذلك يحسّن استغلال الظروف، إذ يدين بثقافة الكاوبوي- Cowboy”.

تصفية الإرث القديم

من خلال سياساته التوسعية أسس ترامب” مبدأ دون-رو، بما يتجاوز القواعد الدبلوماسية، القائمة على السيادة الوطنية، التي أرستها بريطانيا والقوى العظمى في القرن العشرين، حيث يرى العالم مساحات جغرافية، يجب تأميمها لصالح الولايات المتحدة، ساعيًا لتقسيم العالم من منظور أمريكي، يقضي على الإرث البريطاني القديم، والنظام الدولي القائم على التوازنات، الذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية.

من أجل ذلك، ضرب عرض الحائط بوجوده في حلف شمال الأطلسي- الناتو، والتحالفات التقليدية مع أوروبا، وراح يهدد بالاستيلاء على جزيرة جرينلاند، لحماية الأمن القومي الأمريكي من تمدد النفوذ الصيني الروسي فيها، وعقب فشل اجتماع مبعوثي إدارته مع مسؤولين من الدنمارك وجرينلاند، في التوصل لاتفاق بشأن مستقبلها، عبر بصراحه عن أطماعه فيها، عبر التشكيك في قدرة الدنمارك على حمايتها، وهي التي تتمتع بموقع إستراتيجي متميز، يسيطر على قناة سويس المستقبل، كما أنها غنية بالموارد المعدنية النادرة، مؤكدا أنها تمثل أهمية حيوية للأمن القومي الأمريكي، ومن هنا لم يستبعد اللجوء للقوة العسكرية، لإحكام قبضته عليها.

وأكد “عمر” على حقيقة انتهاء التحالفات الدولية أمام الأطماع التوسعية “لترامب”، فقال في خضم تصريحاته لليوم: “على مستوى التحالفات الدولية، لا يعبأ ترامب بحليف أو عدو، فهو قادر على صناعة العداء مع حلفائه، فيعامل الجميع بمنطق واحد، فلا نجده يعبأ بالناتو أو أوروبا في تهديده لجرينلاند، بل تكاد أوروبا ألا تكون على طاولة أفكاره، حتى أن نائبة بالجمعية العمومية لفرنسا، طلبت من الرئيس الفرنسي الخروج من الناتو، لأنه لم يعد ذي أثر”.

​أين روسيا والصين؟

أرسلت دول الناتو اليوم بعثات من قواتها إلى الجزيرة موطن النزاع، لإجراء مناورات عسكرية، ولبناء أكبر تجمع عسكري لقوات الحلف فيها، وهو ما أثار حفيظة موسكو، حيث اعتبرت تواجد تلك القوات في القطب الشمالي زعزعة لاستقرار البلد، ومحاولة لتهديد الأمن الروسي، بما ينتج عنه عواقب وخيمة، بيد أن موسكو غارقة في عمقها الإستراتيجي، منشغلة بتثبيت مكاسبها في أوكرانيا، بما يحمل احتمال أن يكون التوسع الأمريكي ورقة مساومة، بين القوتين.

لكن خبير السياسة والتجارة الدولية يرى أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا موجود، منذ تولي ترامب” مقاليد ولايته الثانية، فقال: “منذ عودة ترامب للحكم، ورفع غطاءه عن أوكرانيا، وأضحت تواجه الدب الأبيض بدعم الاتحاد الأوروبي فقط، ما يؤكد وجود اتفاق بينه وبين بوتين، أما عن أن ذلك سيفرز سايكس بيكو جديدة، فهذا غير صحيح، لأن الاتفاقية القديمة كانت بين طرفين: إنجلترا وفرنسا، أما الآن الولايات المتحدة قطب واحد، تتفاوض وتقايض وتقرر بمفردها؛

وعن الروس فليس لهم الوجود القوي الذي يؤهلهم للوقوف أمامه، منذ سقوطهم عام 1991، حتى أنها تحارب منذ ثلاث سنوات في أوكرانيا، دون أن تملك القدرة على حسم الصراع، فهذا يدلل على انحسار قدرتها على الفعل الدولي، إذ لا تملك القدرة التي كانت عليها في ستينيات القرن الماضي، حين احتج الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف على اتهام سياسات بلاده بأنها استعمارية، فخلع خذائه ولوح به على منصة الأمم المتحدة، لتبقى الحادثة رمزا للاحتجاج النابع من التوتر بين المعسكرين الشرقي والغربي”.

على جانب آخر، نددت بكين باستخدام القوة ضد فنزويلا، وتهديد إيران، لكنها في النهاية تصر على ارتداء قناع الطرف المتعقل، مركزة تحركاتها على حماية طرق تجارتها في المحيط الهادئ، ومواجهة التعريفات الجمركية التي فرضها “ترامب”، والحروب التجارية التي تواجهها.

ويرى “عمر” في ذلك ما يهيئ للرئيس الأمريكي تنفيذ مخططاته، فقال: “بصفة عامة نرى الظروف الاقتصادية والسياسية الدولية تساعد ترامب، في توجهاته التوسعية، حيث روسيا مشغولة في حرب أقحمت فيها نفسها، دون استفادة مرجوة منها، وكأنها تحارب طواحين الهواء، فالجميع فيها خاسرون، والعالم العربي أضحى محض دجاجة تمنحه كل يوم بيضة ذهبية، وبمجرد زيارة حصل منه على 14 تريليون ونص دولار، مع العلم أن التريليون الواحد قادر على حل مشكلات الكرة الأرضية؛

أما الصين فلا نرى منها شيء، إنما تكتفي وروسيا بأن لديها مخزون كبير جدا من بيانات الشجب والتنديد، يستهلكونه من حين لآخر، دون أن نجد لها بصمة على أرض الواقع، فأين هي من ضرب فنزويلا وتهديد أمريكا اللاتينية؟ وأين هي من إيران والسودان وليبيا وغيرها؟ ونكون واهمين إن صدقنا ما يقال عن الانتظار الإستراتيجي، فقد أضحت غير موجودة”

ومع انشغال خصومه، بين الحروب العسكرية والاقتصادية، وتأمين مصالحم وحدودهم، يبقى العالم أمام البلدوزر الأمريكي، الذي يؤمم منه كل يوم قطعة، حيث “يزيد ترامب في أفعاله، لأنه لا يجد من يقف أمامه، فمن الذي يستطيع أن يقف أمام أمريكا؟ ليس هناك من يقف أمامه ويتصدى له، وهنا يجب أن نقدم له الشكر جميعا، لأنه أسقط ورقة التوت عن الجميع، فما من قوة يمكنها أن تقول أنها مستقلة، لأن العالم كله مستعمر من العم سام”- حسب ما اختتم به “عمر” حديثه، بما يحقق في النهاية وعده بأمريكا العظيمة، وفقًا لرؤيته لتلك العظمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى