علماء الإفتاء يوضحون أحكام الإجارة في مجالس توعوية بجميع المحافظات

كتب: مصطفى علي
تواصل دار الإفتاء المصرية جهودها الميدانية لنشر الوعي الديني الصحيح بين المواطنين من خلال سلسلة المجالس الإفتائية التي تُعقد في مختلف محافظات الجمهورية بالتعاون مع وزارة الأوقاف، حيث يتنقل أمناء الفتوى إلى المساجد الكبرى لتوضيح الأحكام الشرعية التي تمس حياة الناس اليومية، والرد على تساؤلاتهم الفقهية بطريقة علمية مبسطة.
وقد خصصت دار الإفتاء لقاءاتها هذا الأسبوع لشرح موضوع “أحكام الإجارة في الشريعة الإسلامية”، بمشاركة عدد من كبار العلماء وأمناء الفتوى، في خطوة تهدف إلى تعميق الفهم الشرعي للعقود والمعاملات المالية التي تُعد من أكثر القضايا التصاقًا بحياة الناس اليومية.
القاهرة.. دروس فقهية حية في أحكام المعاملات
شهدت القاهرة مجموعة واسعة من هذه المجالس العلمية التي جمعت بين الجانب الفقهي والتطبيقي، وفتحت الباب أمام الجمهور لطرح استفساراتهم حول مختلف القضايا الحياتية.
في مسجد السيدة فاطمة النبوية، عقد فضيلة الدكتور أحمد العوضي، أمين الفتوى بدار الإفتاء، مجلسًا علميًا تناول فيه أحكام الإجارة في الفقه الإسلامي، موضحًا أركان العقد وشروطه وضوابطه الشرعية، كما أجاب على تساؤلات المواطنين حول أرباح البنوك، وحكم التنازل عن العين المؤجرة، إلى جانب عدد من القضايا الأسرية والزوجية.
وفي مسجد السيدة نفيسة رضي الله عنها، تحدث فضيلة الشيخ سيد فاروق، أمين الفتوى، عن تعريف عقد الإجارة وبيّن أهميته في النظام الاقتصادي الإسلامي، كما تناول حكم الإجارة بالمعاطاة ومعاملة “الدروب سيرفس”، مؤكدًا ضرورة ضبط المعاملات المالية وفق مقاصد الشريعة في العدالة والتيسير.
أما في مسجد الفردوس بمدينة 15 مايو، فقد أقام فضيلة الشيخ أحمد خليفة همام، أمين الفتوى، وفضيلة الشيخ هاني عباس السويدي، مجلسًا بعنوان «أحكام الإجارة»، تطرقا خلاله إلى الفرق بين البيع والإجارة، وناقشا موضوعات مثل الإيجار التمويلي والإجارة المنتهية بالتمليك، إلى جانب فتاوى تتعلق بـالجنائز والمواريث.
وفي التجمع الخامس، شهد مسجد دار مصر الأندلس (زون 3) مجلسًا علميًا حاضر فيه فضيلة الشيخ أحمد عبدالحليم خطاب، أمين الفتوى، وفضيلة الشيخ إسلام أحمد عبدالرحيم إمام المسجد، حيث أجابا على تساؤلات الحضور حول الإيجار القديم وخلو الرجل وتأجير الأرحام وأخذ الأجرة على تلاوة القرآن الكريم، مؤكدين أن النية والمقصد هما الفيصل في الحكم على المعاملات.
الإمام الحسين.. مناقشة فقهية حول التراث والآثار
وفي قلب القاهرة التاريخية، عقد فضيلة الدكتور خالد عمران، أمين الفتوى بدار الإفتاء، مجلسًا بمسجد الإمام الحسين رضي الله عنه، تناول فيه موضوعًا خاصًّا حول الحفاظ على التراث والآثار الإسلامية، ورد على أسئلة الحاضرين حول حكم الصور والتبرك بآثار الصالحين ووجود التماثيل في البيوت، موضحًا أن الإسلام لا يعادي الفن أو الجمال، بل يضع لهما ضوابط شرعية تصون العقيدة وتمنع الغلو.
المقطم.. مجالس متنوعة في الفقه والمعاملات
وفي منطقة المقطم، أقيمت عدة مجالس علمية لعلماء دار الإفتاء، حيث تناول الشيخ إبراهيم الأنور في مسجد الحكمة موضوع أحكام الإجارة، وأجاب عن تساؤلات الجمهور حول الإيجار القديم وامتداد العقود والتعامل مع غير المسلمين.
وفي مسجد بلال بن رباح، تطرق فضيلة الدكتور محمود شلبي إلى أحكام الصلاة، وردّ على أسئلة تتعلق بـالترتيب بين الصلوات والقضاء وقراءة القرآن أثناء الجماعة.
كما ألقى فضيلة الشيخ مصطفى زغلول محاضرة بمسجد مستورة بعنوان «نظرية العقد في الفقه الإسلامي»، تناول فيها التصرف في المال حال الحياة وعدالة التوزيع بين الأبناء، موضحًا أن الشريعة تدعو إلى العدل في الهبات والميراث، كما تناول أحكام سجود السهو والإيجار القديم.
أما في مسجد التيسير بالبساتين، فقد تحدث فضيلة الشيخ علي قشطة عن الحكمة من مشروعية عقد الإجارة، مبينًا أنه عقد شرعي يهدف إلى تحقيق المنفعة المتبادلة والتيسير على الناس بما يعزز الألفة والمودة داخل المجتمع.
وفي مدينة الشروق، عُقد مجلس آخر بمسجد طارق بن زياد بمشاركة فضيلة الشيخ شريف هاشم عبدالله وفضيلة الشيخ محمد فوزي سلامة، تناول موضوع العدالة في عقود الإيجار، وأجاب عن أسئلة تتعلق بـالإيجار القديم، وتعويض التنازل عن العقد، وتأجير الأماكن للبنوك الاستثمارية.
محافظات الجمهورية.. تفاعل جماهيري واسع مع علماء الإفتاء
لم تقتصر المجالس الإفتائية على القاهرة وحدها، بل امتدت إلى محافظات أخرى لتعميم الفائدة وإتاحة اللقاء المباشر بين العلماء والجمهور.
في محافظة الجيزة، عقد فضيلة الشيخ أحمد صالح مجلسًا علميًا في مسجد الصحابة بمنشأة القناطر، تناول فيه أحكام الإجارة والتأجير من الباطن وتغيير نشاط المكان المؤجر، إلى جانب مناقشة مسائل فقهية في الصلاة وسهو الإمام والمأموم.
وفي القليوبية، شهد الجامع الكبير بمدينة الخصوص مجلسًا إفتائيًا لفضيلة الشيخ علي عمرو عبداللطيف، الذي شرح مشروعية عقد الإجارة وآثاره الفقهية، مؤكدًا أن الإسلام جاء ليحقق التوازن في العلاقات المالية ويمنع الظلم في التعاملات.
وفي الغربية، أقيم مجلس في المسجد الأحمدي بطنطا بقيادة فضيلة الشيخ إبراهيم عبدالسلام، الذي تحدث عن ضوابط الإجارة وأركانها، مشددًا على أن مقاصدها الشرعية تقوم على تحقيق المنفعة والتعاون بين الناس.
وفي أسيوط، عقدت دار الإفتاء مجلسين متتاليين؛ الأول في مسجد سيدي المجذوب لفضيلة الشيخ حسن اليداك، تناول فيه أحكام الإجارة في الشريعة الإسلامية، والثاني في مسجد البقلي بقيادة فضيلة الشيخ حسنين أحمد الخشت، الذي تطرق إلى المسائل التطبيقية لعقد الإجارة وكيفية ضبطها في المعاملات المعاصرة.
رسالة علمية ومجتمعية متكاملة
تأتي هذه المجالس ضمن خطة دار الإفتاء الهادفة إلى نشر الفهم الوسطي للدين، وترسيخ ثقافة الحوار بين العلماء والمواطنين في المساجد، كمنابر توجيه وإرشاد مباشر.
وتركز الدار من خلال هذه اللقاءات على ربط الأحكام الشرعية بالواقع المعاصر، وتوضيح كيفية تطبيقها في المعاملات الاقتصادية والاجتماعية اليومية بعيدًا عن الغلو أو التفريط.
وأكدت دار الإفتاء أن استمرار هذه المجالس في جميع المحافظات يعكس حرص المؤسسة الدينية الرسمية على التواجد بين الناس والاستماع إلى تساؤلاتهم دون حواجز، في إطار نهجها التنويري والدعوي المعتدل.
نشر العلم وبناء الوعي
بهذا النهج العملي، تواصل دار الإفتاء المصرية أداء رسالتها في تجديد الخطاب الديني وتقديم الفتوى المنضبطة شرعًا والمستنيرة فكرًا، بما يسهم في بناء وعي ديني رشيد قائم على الفهم الصحيح للشريعة.
وتأتي مجالس الإفتاء في المساجد كجسورٍ من الثقة بين العلماء والجمهور، تُعيد الاعتبار للفتوى المؤسسية، وتُرسخ ثقافة السؤال والبحث قبل الحكم أو الفعل، في زمن تتزايد فيه الفتاوى الفردية والمصادر غير الموثوقة.




