عماد نصير يكتب: معرض القاهرة الدولي للكتاب ما له وما عليه

أسدل الستار على على ذلك الفصل الرائع والمبهج والنسخة الإعجازية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، من الدورة الـ 57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب، والذي عقد في الفترة من 21 يناير حتى الثالث من فبراير، وهي نسخة مميزة لما ظهر فيها من لمحات ووقفات استحقت الدراسة والتأمل.
وقع الاختيار على شخصية المعرض لهذا العام على الأديب العالمي نجيب محفوظ، وتلألأت جملته الشهيرة “من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونا”, كشعار لهذه النسخة من المعرض.
الإقبال كان متزايدا وكبيرا جدا، حتى أن الاحصائيات تشير إلى تخطي حاجز 6 مليون زائر تقريبا، منها ما يقارب أيضا 2500 رحلة جماعية.
حضور لافت لفئة الشباب والنساء والأطفال، ما يوحي بأن بوصلة الثقافة والفكر في مصر لا تزال تشير إلى أن الوعي المصري ما زال بخير.
كثافة غير مسبوقة وحضور لافت لطلاب العلم من غير العرب، وغالبيتهم من وافدي جامعة الأزهر الشريف، والذين تصادفهم في كل الأجنحة وليس في جناح الأزهر الشريف فقط.
حرص القائمون على المعرض أن يكون للفنون والثقافة مكانا مميزا على خارطة الدورة، فمن الفنون للمسرح للإنشاد وتنظيم ندوات لمناقشة كتب متخصصة في “الفنون والمعرفة”، إلى جانب عروض وفعاليات ثقافية تتضمن ندوات متنوعة تهدف لتنمية مهارات التفكير والقراءة، وعروض وفعاليات ثقافية لتنمية مهارات التفكير والقراءة، بالإضافة إلى تعزيز التبادل الثقافي بين مصر ودول العالم، عدا عن العديد من العروض الفنية والمسرحية والفنون الشعبية المختلفة، والتي بلغت نحو 400 ندوة ومؤتمر، إضافة إلى 100 فعالية فنية متنوعة، بمشاركة دار الأوبرا المصرية والعديد من قصور الثقافة وقطاعات الثقافة والفنون الشعبية.
بلغت نسبة الإقبال في العام الماضي نحو 5 مليون و 400 ألف زائر، وبما أن هذه الدورة قد تخطت حاجز 6 مليون زائر، فهذا مؤشر دامغ على أن المعرض مستمر في تحقيق النجاح عاما تلو الآخر.
حسن التنظيم وإدارة الفعاليات والأنشطة والحضور الأمني والسلاسة في الانتقال والحركة كانوا من أهم ملامح الدورة الـ 57، فكل من زار المعرض هذا العام قد شهد بذلك.
الحضور اللافت لجنسيات أجنبية يعد من أبرز ملامح هذه الدورة أيضا، ما يوضح جليا أن معرض القاهرة الدولي للكتاب ليس حدثا عاديا، بل بات وجهة فكرية وثقافية لمثقفين من دول شتى.
كل ما سبق ليس من قبيل السرد التعريفي بالمعرض، ولا من باب إظهار البراعة المصرية في تنظيم الأحداث والفعاليات الكبرى، بل هناك أبعاد أكثر أهمية لابد لنا أن نستغلها ونفيد منها الدولة المصرية، كي تصب كافة الفعاليات في الصالح العام للشأن المصري لعل أهمها ما يلي..
. تأصيل القوة الناعمة لمصر بخلق مئات السفراء غير المعتمدين من خلال زوار المعرض من الدول الأخرى، وذلك يأتي بحسن التنظيم والاستقبال والاستعداد الإرشادي بلغات عالمية عدة.
. إنشاء أكشاك تعريفية بالحضارة المصرية توزع فيها كتيبات وأقراص مدمجة، تضم كافة الوجهات السياحية وتستعرض ملامح منها، وتقديم الأسعار والمواصلات والإقامة وغيرها مما يلزم السائح.
. الاعتماد على كوادر أكثر تدريبا من شباب المنظمين، فدورهم لا يقتصر على تسيير الحركة والجمهور والحفاظ على المظهر العام كعدم الجلوس في الممرات أو العبث بمياه النافورة فقط، بل يجب أن يتم تدريبهم على يد خبراء عن كيفية تقديم ما يلزم من معلومات حول ما تضمه الأجنحة من كتب ودور نشر وناشرين، وأن يكونو مؤهلين للتحدث على الأقل بلغة واحدة غير العربية.
. كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة لهم حضور ملحوظ في كل الدورات، وهو أمر يستوجب أن يكون لهم ما يخفف عنهم ويوفر لهم الراحة، كتوفير المزيد من الاستراحات والكراسي خارج الصالات وداخلها أيضا.
. تنظيم المعرض يكون في وقت متميز جدا مقارنة بالتوقيت ذاته في العديد من الدول العربية، فالطقس يكون أفضل بكثير في مصر، وهي بالطبع فرصة للترويج السياحي الذي يكون على هامش أعمال المعرض، كنوع من أنواع السياحة العائلية الثقافية.
. مواقف السيارات حول المعرض كثيرة وتتسع بالفعل لآلاف السيارات، إلا أنها تكلف عشرة أضعاف سعر دخول المعرض، غير ما يطلبه (السياس) من إكرامية وقت الرحيل، وهي مفارقة كبيرة وملحوظة سيئة تستحق الوقفة والتنظيم في الدورات القادمة
. صلاة الجمعة التي أقيمت خارج القاعات شهدت حضورا قارب عدد سكان بعض الدول وأكثر من سكان البعض الآخر وهذا أمر عادي في بلد الأزهر الشريف، إلا أن أماكن الصلاة عموما لغير الجمعة، صغيرة ولا تكاد تستوعب الكثافة العددية.
نعلم أن هناك أجندة دولية للمعارض، وكل معرض له أسبوعين تقريبا ميعادهم في الغالب ثابت، إلا أن النجاح المتصاعد لمعرض القاهرة الدولي للكتاب يستوجب النظر في تلك الأجندة، فالتوقيت مناسب جدا، إلا أن المدة تحتاج إلى سعة وزيادة وقت يستوعب حجم الإقبال.
.الصالة المعدة سلفا كمعرض للأطفال، وهي عبارة عن خيمة وبعيدة عن مدخل المعرض، نقطة تستوجب إعادة النظر، كما أن كثافة الحضور أيضا خاصة في وقت الذروة تتخطى إمكانيات الصالة من الحمامات وغيرها، ومن الأفضل في الدورات القادمة أن تكون صالة 2 أو صالة 1 لمعرض الطفل.
. القراءة ليست حكرا على الأصحاء فقط، لذا نرى الكثير والكثير من كبار السن على رأس الحضور، والانتقال بين الصالات أمر بالغ المشقة عليهم، لذا من الأفضل أن يتم توفير بضع عربات جولف أو طفطف أو حتى “توكتوك” مكشوف، لنقل كبار السن بين صالات المعرض.
. هناك حملات ومبادرات رئاسية مثل (100 مليون صحة) و(قلبك أمانة) وغيرها من الحملات التي تقدم كشفا مجانيا لأمراض مثل السكري والضغط، وغيرها من الأمراض التي لا تحتاج لفحص سريري، ونرى أن المعرض فرصة سانحة لعمل برتوكول دائم ومستمر مع وزارة الصحة لتكون الخدمات الصحية مواكبة ومصاحبة بشكل سنوي وبالمجان لكافة رواد المعرض من المصريين والأجانب.
. هناك مبالغات في أسعار بعض المعروض من الكتب، وهذه أمور تم رصدها من خلال استطلاع آراء عدد من الزوار وسماع النقاشات بين دور النشر والزوار، فلو تم تدارك هذا الأمر بصورة تحفظ للناشر حقه الأدبي والمادي، وللقارئ حقه في القراءة والمعرفة لكان أفضل وأكثر ضمانا لنجاح الدورات والنسخ القادمة.
ما تم طرحه من نقاط تحتاج إلى وقفة، أمر يعنى بالحفاظ على صورة المعرض التي ترسخت في ذهن القارئء العربي، ومحاولة تفاديها أو تحسينها في الدورات القادمة إنما هو للصالح المصري العام، فكل عمل يحمل اسم مصر لابد وأن يكون خارج المنافسة والمقارنة بصفة عامة.
للقائمين على معرض القاهرة الدولي للكتاب نقدم الشكر والتقدير، وننتظر أن نرى أن الدورة القادمة استوعبت ما فاتها هذه الدورة، وأن يتفوق المعرض على نفسه، وأن ينافس المنظمون أنفسهم بتقديم (خدمة ثقافية وفكرية) أكثر تطورا، بشكل يكون أكثر قدرة على حمل رمزية مصر والمثقف المصري، وأن يزيد من قوة مصر الناعمة.
موعدنا العام القادم مع سحابة مصر الفكرية التي لطالما غزت الوعي العربي وأسست لصناعة الفكر في افريقيا والشرق الأوسط والخليج العربي.



