“غاب جسده وبقيت روحه” قصة الملازم البحري الذي غرق من أجل إنقاذ شاب غريب في ترعة الإبراهيمية 

في قلب ليل صعيدي ساكن، وعلى ضفاف ترعة الإبراهيمية، كان القدر يكتب آخر سطور حياة شاب لم يكن عاديًا .. اسمه “شهاب عادل حسن” ضابط شرطة بالقوات البحرية.

لم يكن يعلم “شهاب” أن رحلة عودته من بني سويف إلى قريته “البداري” بأسيوط ستتحول إلى مشهد أسطوري يحكيه الناس طويلًا .. لم يعلم  أيضًا أن ساعة البطولة تقترب، وأنه على موعد مع قدرٍ سيخلّد اسمه في سجلات الشرف.

على طريق ترعة الإبراهيمية، حيث كان الطريق هادئًا، الليل يرخي ستائره، وبرودة الماء تنعكس على سطح الترعة الساكنة، عربات قليلة تمر، وأضواء خافتة تتسلل من بعيد .. وفجأة دوى صوت صرخة مكتومة، ثم صوت ارتطام سيارة بالماء.

هناك سيارة صغيرة انزلقت في مياة الترعة، ببني سويف، الناس توقفت، بعضهم حاول وفكر في الإنقاذ، وآخرون أمسكوا بهواتفهم، وبدأت الجمل المعتادة تتردد: “يا ستار يارب” “مات .. مفيش فايدة!”.

لكن “شهاب” لم يكن واحدًا من هؤلاء .. لم يسأل “أنا مالي؟” .. لم يتردد لحظة واحدة في إنقاذ من بداخل السيارة الغارقة .. على الفور  أوقف سيارته على جانب الطريق، خلع سترته، وانطلق نحو المياه لإنقاذ من بالسيارة الغارقة.

في تلك اللحظة، لم يكن “شهاب” ضابطًا، ولا صعيدي ابن مركز البداري، ولا حتى شابًا في الرابعة والعشرين من عمره .. بل كان إنسانًا تجرد من كل شيء إلا من ضميره.

قفز في مياة الترعة البارد، اقترب من السيارة الغارقة، ضرب الزجاج بيده، فتح نافذتها، وأمسك بالشاب العالق داخلها، وعافر بشجاعة، وسحبه بكل ما يملك من قوة نحو السطح حتى صعد به قرب شط الترعة، هناك تمددت أيدي الرجال المحاولين للانقاذ وسحبت الشاب الناجي، الذي ظل يلهث بين الحياة والموت.

أما “شهاب”، فكانت المياه قد بدأت تضعف جسده .. خاصة بعدما شعر أن “شد عضلي” باغته، والموج صار أثقل عندما خانته قواه، ليلفظ انفاسة الاخيرة بين الأمواج، ويسقط غارقًا في بطن المياه.

حالة من الذهول والخوف أصابت أهالي المنطقة، الذين ظلوا طوال الليل يبحثون عنه، رجال وشباب وأطفال على ضفاف الترعة، عيون حمراء وأيادٍ ترتجف من البرد، حتى أشرقت شمس الصباح، وخرج جسده من الماء، وملامحه كما هي، كأنها لم تعرف الخوف قط.

“شهاب عادل حسن” لم يكن بطلًا في حكاية مكتوبة، بل بطلًا حقيقيًا على أرض الواقع، شاب قرر أن يمنح حياته لإنقاذ آخر لا يعرفه، شاب علمنا أن الرجولة مواقف، وأن الشجاعة قرار، وأن الموت أحيانًا يكون أجمل حين يكون من أجل حياة الآخرين

وغاب جسده، لكن بقيت روحه تحكي سيرته في شوارع البداري، وعلى ضفاف الترعة، وفي قلوب من سمعوا قصته.. وبقيت مصر تفتخر أن فيها أمثال “شهاب” رجال حين تدق لحظة الحق، يصمت الجميع ويتقدمون، دون خوف دون تردد.

عن حشمت عبد الحارث

شاهد أيضاً

الطفل السابع ينضم إلى قائمة ضحايا البرد القارص في غزة_اليوم

“خوفًا من الفضيحة” ربة منزل تلقي رضيعتها من شرفة حمام ببولاق الدكرور

  نجحت الأجهزة الأمنية بالجيزة، في كشف ملابسات العُثور على جثة رضيعة حديثة الولادة ملقاة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *