عرب-وعالم

غباشي لـ”اليوم”: ألمانيا شاهد لا فاعل.. وعقدة التاريخ تشل سياساتها

تقرير: سمر صفي الدين

كشف إعلام إلماني أن غياب برلين عن الفعل السياسي في قمة شرم الشيخ للسلام لم يكن صدفة، بل نتيجة مباشرة للسياسات التي اتبعتها الحكومات الألمانية المتعاقبة منذ اندلاع حرب غزة.

كما أعتبرت أن تلك السياسات أفقدت ألمانيا مكانتها العالمية، خصوصًا في العالمين العربي والإفريقي.

وقالت صحيفة “برلينر تسايتونغ” الألمانية، إن وزيرة الخارجية السابقة أنالينا بيربوك والمستشار السابق أولاف شولتس، ومن بعدهما فريدريش ميرتس، “بددوا الثقة التي كانت تحظى بها ألمانيا على الساحة الدولية”.

متابعة من بعيد

في هذا الصدد، أشارت الصحيفة إلى أن قمة شرم الشيخ أظهرت هذه العزلة بشكل جلي. فقد غاب الدور الألماني تمامًا عن المفاوضات التي أفضت إلى توقيع اتفاق وقف الحرب بين الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا.

وهو الاتفاق الذي وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه “أعقد وأضخم صفقة في التاريخ”. بينما وصفه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأنه “منعطف تاريخي حاسم”.

كما أوضحت الصحيفة أن المستشار ميرتس اكتفى بمتابعة مجريات القمة من بعيد دون أن يعقد مؤتمرات صحفية أو يشارك في النقاشات الرئيسية، ما عكس انحسار الدور الدبلوماسي لبرلين.

برلين أكبر مورد أسلحة لإسرائيل

تجدر الإشارة إلى أن الصحيفة ربطت هذا التراجع بتصريحات بيربوك المثيرة للجدل في أكتوبر 2024، حين قالت إن “المواقع المدنية قد تفقد وضع الحماية عندما يستخدمها المقاومون”. وهو ما فُسر دوليًا على أنه تبرير للهجمات الإسرائيلية على المدنيين.

كما أضاف التقرير أن ألمانيا التي تعد ثاني أكبر مورد للأسلحة لجيش الاحتلال بعد الولايات المتحدة تواجه اليوم انتقادات متصاعدة بسبب استمرارها في تزويده بالسلاح. رغم استخدامه في عمليات موصوفة بانتهاك القانون الدولي.

واختتمت الصحيفة بالقول إن الحكومة الألمانية الحالية تدفع ثمن تلك المواقف. بعدما تحولت من فاعل رئيسي في السياسة الدولية إلى طرف هامشي يراقب من بعيد أكثر لحظات الشرق الأوسط حساسية منذ عقود.

اختيار ألماني مقصود

وفي ضوء ما سبق، قال الدكتور مختار غباشي، المدير العام لمركز الفارابي للدراسات، إن الحديث عن “تهميش الدور الألماني” في قمة شرم الشيخ للسلام ليس دقيقًا.

وأوضح في حديثه لموقع “اليوم”، أن المسألة لا تتعلق بغياب صوت برلين أو امتناعها عن المشاركة. بل هي “اختيار ألماني مقصود للابتعاد عن أي التزامات سياسية أو إنسانية تجاه الحرب في غزة”.

عقدة الهولوكوست

بالعودة إلى جذور الموقف، أضاف غباشي أن ألمانيا، بوصفها القاطرة الاقتصادية والسياسية للاتحاد الأوروبي. لا يمكن وصفها بالدولة المهمشة، فهي ثاني أكبر ممول للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

وأكد أن موقفها من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تحكمه عقدة تاريخية مرتبطة بالهولوكوست. ما يجعلها في موقع “المدافع الدائم عن إسرائيل” بغض النظر عن طبيعة الانتهاكات التي ترتكبها ضد الفلسطينيين.

وأوضح أن الموقف الألماني “ليس متشددًا ضد إسرائيل بل ضد الفلسطينيين أنفسهم”. لافتًا إلى أن برلين لا تزال ترفض الاعتراف الكامل بدولة فلسطين.

وزاد بالقول إن موقف برلين يختلف عن موقفي بريطانيا وفرنسا اللتين اعترفتا مؤخرًا بالدولة الفلسطينية. رغم ارتباطهما التاريخي المعقّد بالقضية؛ فبريطانيا صاحبة “وعد بلفور”، وفرنسا صاحبة “مفاعل ديمونة”، ما يجعل الموقف الألماني ثابتًا.

وجه الحياء..الحضور بصفة شاهد

يمكن القول إن، حضور ألمانيا في قمة شرم الشيخ كان “بوجه الحياء لا أكثر أو بصفة الشاهد أكثر من كونه فاعلًا”. إذ اكتفت بالمشاركة الشكلية دون تقديم مبادرات أو مداخلات علنية، بحسب غباشي.

كما أشار إلى أن المستشار الألماني فضّل النأي بنفسه عن أي التزامات جديدة تتعلق بوقف إطلاق النار أو إعادة الإعمار أو تحميل إسرائيل مسؤوليات محددة.

وتابع غباشي بأن برلين “اختارت أن تهمّش نفسها طوعًا” في هذا المسار. لأنها تدرك أن أي تحرك متوازن تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سيُفسر في الداخل الألماني كخروج عن الخط التاريخي المؤيد لإسرائيل.

وأضاف أن ألمانيا تبقى رغم ذلك “ركيزة رئيسية” داخل الاتحاد الأوروبي، وربما تتفوق في هذا الإطار على فرنسا، إلا أن سياستها الخارجية ما زالت رهينة لعقدة التاريخ وصورة “الداعم غير المشروط لإسرائيل”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى