تحويل القبلة ودروس الحاضر.. الأزهر يعيد قراءة التاريخ لصناعة وعي دعوي معاصر

كتب: مصطفى علي
في إطار رسالته العلمية والدعوية المستمرة، نظّمت أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ، اليوم الثلاثاء، ندوة علمية موسّعة حملت عنوان «تحويل القبلة.. دروس عصرية»، وذلك بحضور نخبة من كبار علماء الأزهر الشريف وأساتذة الجامعات، وبمشاركة واسعة من الأئمة والوعاظ الدارسين بالدورة التدريبية رقم (140) لإعداد الدعاة.
وشهدت الندوة حضور كل من: الأستاذ الدكتور حسن الصغير، رئيس أكاديمية الأزهر العالمية، والأستاذ الدكتور إبراهيم الهدهد، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، والأستاذ الدكتور عبد الفتاح العواري، عميد كلية أصول الدين الأسبق، والأستاذ الدكتور مجدي عبد الغفار، رئيس قسم الدعوة بكلية الدراسات العليا بجامعة الأزهر، فيما أدار اللقاء الإعلامي الأستاذ فوزي عبد المقصود، المذيع بإذاعة القرآن الكريم، في أجواء علمية جمعت بين العمق الشرعي والتحليل الفكري والرؤية المعاصرة.
أكد الأستاذ الدكتور حسن الصغير أن حادثة تحويل القبلة تمثل محطة مفصلية في تاريخ الأمة الإسلامية، حيث جاءت تتويجًا لمعاني الاصطفاء الإلهي للأمة المحمدية، وترسيخًا لهويتها الحضارية المستقلة، مشيرًا إلى أن هذا الحدث لم يكن مجرد انتقال مكاني في اتجاه الصلاة، بل تحولًا عميق الدلالات في بناء الشخصية الإيمانية للأمة.
وأوضح رئيس الأكاديمية أن تحويل القبلة يحمل في طياته دروسًا معاصرة بالغة الأهمية، في مقدمتها تعزيز الثقة في التوجيه الإلهي، وترسيخ اليقين في حكمة التشريع، وغرس روح الانتماء للأمة الإسلامية، بما يسهم في إعداد دعاة يمتلكون الثبات الفكري والقدرة على مواجهة التحديات الثقافية والفكرية المعاصرة بوعي وبصيرة.
وأشار إلى أن الأزهر الشريف، عبر برامجه التدريبية والعلمية، يعمل على توظيف هذه الدروس القرآنية والتاريخية في إعداد دعاة يجمعون بين الوعي الفقهي والفهم التاريخي العميق، ويجيدون ربط النصوص الشرعية بواقع الناس وقضاياهم، في إطار رسالة الأزهر العالمية القائمة على نشر الوسطية والاعتدال.
إبراهيم الهدهد: تحويل القبلة مدرسة تربوية
تناول الأستاذ الدكتور إبراهيم الهدهد حادثة تحويل القبلة من زاوية تربوية وفكرية، مؤكدًا أنها تمثل منعطفًا تربويًا عميق الدلالة في مسيرة الأمة الإسلامية، حيث كشفت عن جوهر العلاقة بين العبد وربه، القائمة على السمع والطاعة مع الفهم الواعي للحكمة الإلهية.
وأوضح رئيس جامعة الأزهر الأسبق أن هذا الحدث التاريخي يجسد خصوصية الأمة المحمدية، التي جمع الله لها بين نور العقل وهداية الوحي، مشيرًا إلى أن الإسلام لم يدعُ يومًا إلى الانغلاق، بل حث على الانفتاح الإيجابي على الثقافات المختلفة، ودراستها والاطلاع على تجاربها، لا للذوبان فيها، وإنما لاستخلاص العبر والاستفادة مما يتوافق مع القيم الإسلامية.
وأضاف أن تحويل القبلة علّم المسلمين أن الامتثال لأوامر الله هو السبيل الأقوم لتحقيق الاستقرار الروحي والمجتمعي، كما رسّخ مبدأ الثبات على الحق في مواجهة الشبهات وحملات التشكيك، وهو درس بالغ الأهمية في ظل التحديات الفكرية والإعلامية المتسارعة التي تواجه الأمة اليوم.
وفي مداخلة علمية ثرية، تناول الأستاذ الدكتور عبد الفتاح العواري حادثة تحويل القبلة من منظور تفسيري، موضحًا أن هذه الواقعة كشفت بوضوح مكنون نفوس أعداء الإسلام، الذين حاولوا استغلال الحدث للطعن في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم والتشكيك في ثبات التشريع الإسلامي.
وبيّن عميد كلية أصول الدين الأسبق أن القرآن الكريم سبق الأحداث، وكشف مواقف هؤلاء المشككين قبل وقوع التحويل، في دلالة واضحة على إعجاز الوحي الإلهي، الذي لم يكن ردّ فعل، بل توجيهًا ربانيًا محكمًا يضبط مسار الأمة.
وأكد أن تحقيق رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في التوجه إلى الكعبة المشرفة جاء تكريمًا له وإظهارًا لمكانته عند ربه، كما مثّل إعلانًا واضحًا لاستقلال الأمة الإسلامية بشخصيتها الحضارية والروحية، مبينًا أن الأمة أصبحت وارثة لوحي السماء، وتحمل مسؤولية هداية البشرية، وهو ما يفرض على أبنائها واجب الحفاظ على هذا الإرث ونقله للأجيال القادمة بمنهج علمي رصين وفهم وسطي متوازن.
وحدة الصف خلف القيادة النبوية.. درس دعوي متجدد
بدوره، شدد الأستاذ الدكتور مجدي عبد الغفار على أن صدق الأمة الإسلامية نابع من صدق نبيها صلى الله عليه وسلم، وأن الصحابة رضوان الله عليهم قدموا أروع النماذج في حمل أمانة الكلمة ونقل الرسالة بإخلاص وتجرد.
وأوضح أن حادثة تحويل القبلة تمثل نموذجًا عمليًا لوحدة الصف الإسلامي خلف القيادة النبوية الحكيمة، حيث استجاب الصحابة للأمر الإلهي فور صدوره دون تردد أو جدال، في صورة تجسد أعلى درجات الطاعة الواعية والالتزام الجماعي.
وأشار إلى أن الأزمات والمواقف الفاصلة تكشف معادن الأمم، مبينًا أن الناس في مثل هذه اللحظات ينقسمون إلى ثلاثة أصناف: صنف يصنع الحدث ويقوده، وصنف يتفاعل معه ويشارك في صناعته، وصنف يقف متفرجًا متسائلًا عما يجري. وأكد أن الدعاة مطالبون بأن يكونوا في مقدمة صانعي الوعي، وحماة الاستقرار الفكري والمجتمعي.
تكريم خريجي الدورة (140) لإعداد الدعاة
وفي ختام فعاليات الندوة، قامت أكاديمية الأزهر العالمية بتكريم الأئمة والوعاظ المشاركين في الدورة التدريبية رقم (140)، الذين اختتموا برنامجهم العلمي بالمشاركة في هذه الندوة، حيث عبّر المشاركون عن اعتزازهم بالتواجد في رحاب الأزهر الشريف، مشيدين بما تلقوه من علوم شرعية رصينة ومهارات دعوية وإعلامية حديثة أسهمت في تطوير قدراتهم العلمية والعملية.
وأكد الدارسون أن هذه الدورات تمثل منصة عالمية لتبادل الخبرات وتعزيز التواصل بين الدعاة من مختلف دول العالم، بما يدعم نشر قيم الإسلام السمحة وترسيخ ثقافة التعايش والسلام.
برنامج تدريبي دولي لإعداد دعاة المنهج الوسطي
يُذكر أن الدورة التدريبية رقم (140) عُقدت خلال الفترة من السبت 13 ديسمبر 2025م وحتى الخميس 5 فبراير 2026م، واشتملت على برامج تدريبية مكثفة، قدّمها نخبة من العلماء المتخصصين والمحاضرين الدوليين في مجالات الفكر الإسلامي، والمهارات الدعوية، والإعلام الديني.


