
تقرير: مروة محي الدين
في خطوة وصفت بالتاريخية، أعلن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، اليوم- الإثنين، الاعتراف بدولة فلسطين، “وفاء” لالتزام بلاده التاريخي في الشرق الأوسط”- حسب قوله، خلال جلسة مؤتمر حل الدولتين، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.
وشدد على أن ذلك الاعتراف، يعد تأكيدًا “بأن الشعب الفلسطيني ليس زائدا عن الحاجة”، وأنه مامن سبيل لوقف الدمار سوى الاعتراف بالآخر وشرعيته وإنسانيته.
وهي الخطوة التي قالت عنها “دالين حسن”- خبيرة الشئون الدولية والاقتصادية ومؤسسة شركة تشير جلوبال الإعلامية- في تصريحات خاصة لموقع اليوم: “لو نظرنا إلى تاريخ هذا الصراع واحتلال فلسطين، منذ الإعلان عن وعد بلفور عام 1917، وكل المحطات التي مرت بها المنطقة العربية وفلسطين مع إسرائيل، نجد أن ما حدث اليوم بالأمم المتحدة هو لحظة تاريخية فارقة ومهمة جدا، في تاريخ الحكومات الأوروبية؛
إذ نتحدث اليوم عن فرنسا، بعد أن قاد ماكرون الحراك الدبلوماسي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، حتى أن أحدنا لم يكن يتوقع أن يرى هذا الزخم الداعم لفلسطين، مع الوضع في الاعتبار ما يحدث في غزة، وهي خطوة سيبنى عليها الكثير، حيث يصل حضور مؤتمر اليوم في الأمم المتحدة حوالي 142 دولة، وهي خطوة على المستوى الدبلوماسي مهمة وجيدة جدا لفلسطين، وإن كنا لا نعرف ما إذا كانت ستحقق شيء على واقع الأرض”.
اعتراف واسع النطاق
في كلمته في المؤتمر، تحدث “ماكرون” عن اعتراف بدولة فلسطين أوسع نطاق من حدود دولته، مؤكدا خروج تلك الاعترافات من المؤتمر، لتصدق 15دولة أخرى على حديثه، من بينها موناكو ولوكسمبورج، باعترافها بالدولة الفلسطينية.
وقد لفتت “دالين” إلى جذور هذا الحراك الدبلوماسي ووزنه الدولي، فقالت: “لو عدنا لترتيب الأحداث من العام الماضي، نجد أن من بدأ هذا الحراك، ووقف متحدثا عن حق الفلسطينيين في الدولة والسيادة والحكم الذاتي والاستقلالية، هو بيدرو سانشيز- رئيس الوزراء الإسباني، وهو أول رئيس أوروبي اعترف بفلسطين، قبل أن تتبعه أيرلندا، ثم النرويج وسلوفينيا؛
وبعد ذلك بدأت فرنسا حراكها ، ونظرًا لثقل الأخيرة وعمق علاقاتها في العالم العربي، ومن هنا فالاعتراف الإسباني هو من فتح الباب، لتلحق بها اليوم 16 دولة أخرى تتزعمها فرنسا، وهو الزخم الذي لم نشهده من قبل في العالم الغربي، سواء على مستوى الشارع، أو على المستوى الدبلوماسي، بعد 75 عامًا من الاحتلال، بالنظر إلى أن الغرب عالم مشبع بإعلام ممول من اللوبيات الداعمة للاحتلال،
وعلى سبيل المثال: لن يمكن لأحد تصور كم التشويه الذي يحدث لصورة العرب والفلسطينيين، وتاريخهم وثقافتهم وطريقة حياتهم، وكل ذلك تغير بفضل مواقع التواصل الاجتماعي، التي رأينا تأثيرها الكبير والعادل للمرة الأولى في إظهار الصورة الحقيقية للفلسطينيين، فيراهم العالم على حقيقتهم، فبينما كنا نحن العرب نعرف الحقيقة لم يكن الغرب يدري عنها شيئًا، ومن هنا تكون تلك الخطوة رائعة”.
لماذا نيويورك الآن؟
جاء الاعتراف الفرنسي من نيويورك وليس باريس، وفي مقدمة حديثه حول الاعتراف، تحدث “ماكرون” عن: أن الانتظار للاعتراف بالدولة الفلسطينية لم يعد بوسعه، مشيرا إلى أن وعد إقامة الدولة العربية على الأراضي الفلسطينية لم يتحقق بعد.
وهو ما علقت عليه “دالين”، فقالت: “جاء الاعتراف الفرنسي من نيويورك لأنه خرج من مؤتمر الأمم المتحدة، وهو الاجتماع الذي كان مقرر عقده في يوليو الماضي، وتم تأجيله بسبب الضربة الإسرائيلية لإيران، وكان أحد أهم أسباب تلك الضربة هو منع فرنسا من إتمام هذا الاعتراف، ونسف هذا المشروع كليا؛
وبالطبع الاعتراف هنا يرجع إلى أهمية نيويورك والأمم المتحدة، حيث هدف ماكرون لضمان حضور دولي حوله أثناء الاعتراف، فلم يكن يرغب في اعتراف فردي من باريس، مثل دول أخرى: بريطانيا وأستراليا، لكنه أراد لحظة تاريخية تذكر له بعد خروجه من الإليزيه،
كما أنه أراد لمشهد اعترافه أن يخرج من هالة الأمم المتحدة، بالخلفية الخضراء، وتكون السعودية شريكًا له في هذا الحدث، ما يعطي وزن لهذا الاعتراف، حيث لا تعطي الولايات المتحدة له أي وزن”.
كذلك بدا الرئيس الفرنسي في خطابه، يطلب العون ممن لم ينضموا له، وحث على ضرورة بذل كل الجهود للحفاظ على إمكانية تحقيق حل الدولتين، وفي ذات الإطار عاد يؤكد حقوق المستوطنين، وأن الاعتراف بالحقوق المشروعة للفلسطينيين لا ينتقص من حقوقهم.
وهو ما أشار لوجود ضغوط وتحديات وقفت أمامه في تلك الخطوة، لاسيما الرئيس الأمريكي، الذي بدا حانقا على تلك الخطوة رافضا لها، وحث الدول على التراجع عنها.
وقد فسرت خبيرة الشئون الدولية ذلك، بقولها: “ترامب يغني على ليلاه- كما نقول، فقد حاول ترامب وإدارته كثيرًا الوقوف في وجه هذا الاعتراف، وتعرضت فرنسا لضغوط منهم، لمنع حدوثع، إذ أن فرنسا دولة لها وزن كبير في أوروبا، وذلك رأيناه في تحقيق هدفها من السعي الدبلوماسي بإقناع 15 دولة أخرى للاعتراف؛
فيما نجد ترامب يعارض ذلك الموضوع كليا، فهو رجل بعقلية وذهنية مختلفة، وإن أردنا معرفة توجهه نحو هذا الأمر، سنجده في تصريحات توم باراك- السفير الأمريكي في تركيا، التي قال فيها إنهم لايكترثون بهذا الاعتراف وإن حدث، وفي ذلك محاولة لتجريد الاعتراف من أهميته؛
ولكن دبلوماسيا وإعلاميا، سيسبب هذا الاعتراف عزلة دبلوماسية لإسرائيل، شاء من شاء وأبى من أبى”.
ولم تكن الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد، الذي يضغط لمنع ذلك الاعتراف، إذ انبرت اللوبيات الداعمة للاحتلال في محاولات أخرى لمنعه، ما ترك أثره على العلاقات الفرنسية الإسرائيلية.
وفي ذلك تقول خبيرة الشئون الدولية: “بسبب محاولات الضغط الإسرائيلية، توترت العلاقات الفرنسية مع إسرائيل؛ كما لم تتفهم الأخيرة الموقف الفرنسي، فأخذت موقفا ولم يحضر وحدها كلمة ماكرون في المؤتمر، وتركوا مقاعدهم خالية”
7 أكتوبر الغائب الحاضر
“ماكرون” الذي ظهر في خطابه، باحثا عن العدل والحقوق المشروعة، لم ينس دوره في مهاجمة عملية “طوفان الأقصى” بشراسة، فاستهل خطابه بالمطالبة بالإفراج الفوري الكامل غير المشروط عن 48 أسيرا لدى المقاومة، طما أعرب عن تعطفه مع ذويهم.
وتحدث عن الذهول الذي أصاب إسرائيل والعالم من وحشية المقاومة في ذلك اليوم، وعلى الرغم من إعلائه القيمة الإنسانية شرطا للحلاص، نفى وجود أي مجال للتعاطف مع المقاومة واصفا إياهم “بالإرهابيين”.
وفي هذا الصدد، قالت “دالين”: “ماكرون يحاول لعب اللعبة السياسية بشكل صحيح، فلا يمكنه أن يميل كل الميل إلى الجانب الفلسطيني، لأن أهم مكونات المجتمع الفرنسي وهي الجالية اليهودية مرتبطة بإسرائيل، حتى مم لا يعيشون منهم في إسرائيل؛
ومن هنا حاول التركيز على الجانب الإنساني في طرحه، حتى أنه في إعلانه قال إنه يأتي من أجل السلام للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، وفي النهاية هو عمل دبلوماسي يحاول إيجاد التوازن بين الطرفين؛
وطبيعة الحال، لن نتوقع من رؤساء الدول الأوروبية أن يقفوا مع الجانب الفلسطيني بنسبة 100%، على الرغم من التغير الكبير في مواقفهم تجاهها، عما كان منذ 10 سنوات مثلا”.
غزة
خلال اعترافه، راح “ماكرون” يتحدث عن معاناة آلاف الغزيين، الذين تدمرت حياتهم باستمرار عمليات الاحتلال فيها، مناديل بضرورة الوقف الفوري للحرب لإنقاذ الأرواح. وقال إنه لا يوجد مبرر واحد لاستمرارها.
وتحدث عن واجب رسم طريقا للسلام في الشرق الأوسط، ما أثار علامات استفهام حول دعمه الكبير للاحتلال، خلال حرب الإبادة، التي تدور رحاها في غزة، وكذلك مسؤوليته عن دماء أطفال غزة.
وهنا تقول “دالين”: “موضوع أطفال غزة شيء، والاعتراف بفلسطين شيء آخر، فكلنا يعرف أنه من سابع المستحيلات أن تدعم أوروبا فلسطين عسكريا ولو بجندي واحد، وما من أحد تمكن من إقناع نتنياهو لوقف الحرب، بما في ذلك ترامب، الذي طلب منه أكثر من مرة وقف الحرب، لكن نتنياهو لم يكترث، بل واضطر ترامب لإعطائه الضوء الأخضر، فما من دولة يمكنها الوقوف في وجه الولايات المتحدة وترامب، ما يضع الاعتراف في إطار التحرك الدبلوماسي فقط، دون خطوات ملموسة على الأرض”.
تنفيذ حل الدولتين
لم يخرج “ماكرون” عن المتوقع، في إعلانه عن الخطوات الواجب اتخاذها، لتنفيذ حل الدولتين وجعله واقعا على الأرض، حيث تحدث عن إقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة، لتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني.
ونوه لنيته افتتاح سفارة في الأراضي الفلسطينية، لكنه رهن ذلك بتغيير الوضع في غزة، عبر وقف الحرب فيها وإطلاق سراح الأسرى، وسرعة إغاثة سكانها، وإعادة إعمار القطاع.
وقد أوضحت “دالين”: أنه “من الطبيعي، أن تتضمن خارطة الطريق التي ستوضع بعد الاعتراف، في المقاوم الأول، إطلاق سراح الأسرى في غزة، ووقف إطلاق النار، وهو أمر مرتبط كليا بنتنياهو؛
حيث وقف نزيف الدم في غزة فورا، ثم إدخال المساعدات الإنسانية، وإعادة إعمار قطاع غزة، هي المقومات الأساسية لتنفيذ حل الدولتين، فيوجد شعب على قيد الحياة في الدولة التي تم الاعتراف بها- فلسطين”.
فلسطين والسياسة الدولية
سلط الرئيس الفرنسي- في خطابه- الضوء على الأثار الدولية التي تلوح في الأفق من هذا الاعتراف، حيث رأه يرسم طريقا للسلام في المنطقه العربية.
وأعرب عن أمله في الوصول لسلام فلسطيني- إسرائيلي يكون ركيزة لسلام أوسع، حيث يفتح الاعتراف بفلسطين الطريق، لمفاوضات مفيدة بين الجانبين، وكسر حلقة العنف.
وفي ذلك ترى “دالين”: أن “الاعتراف سيؤدي بالتأكيد لتغير السياسة الدولية تجاه فلسطين، حيث ستتسع دائرة الاعتراف بفلسطين، فيما تزيد العقوبات الضاغطة على الاحتلال، حيث صرحت رئيسة الاتحاد الأوروبي بأنهم يدرسون فرض بعض العقوبات على إسرائيل، قد نجدها في منع بيع الأسلحة، وعدم استيراد المواد أو تصديرها لإسرائيل؛
فالعقوبات الاقتصادية تغير من جدوى الاعتراف بفلسطين، وتجبر نتنياهو وحكومته على الجلوس على طاولة المفاوضات، والأخذ بعين الاعتبار الطرف الآخر وهي الدولة الفلسطينية المعترف بها، فيكون الجلوس على الطاولة بين دولة ودولة أخرى ند لها، ومن هنا، حال استمر الاعتراف بهذا الزخم ستكون له نتائج إيجابية للغاية، في المفاوضات وفي الضغط على إسرائيل”.
ورقة ضغط
مع تشابك أطراف الموقف، كانت الإبادة الجماعية هي الموضوع الأكثر إلحاحا، حيث طرح السؤال نفسه: هل يمثل الاعتراف ورقة ضغط على “نتنياهو” لوقف الإبادة؟
وقد أجابت “دالين” على ذلك التساؤل، فقالت: “الاعتراف لن يغير شيء، ولن يمثل ورقة ضغط على إسرائيل، لأن ما يغير هو الضغط الأمريكي، ذلك أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على الضغط على إسرائيل، بوسائلها الخاصة، لإيقاف الابادة، والإجرام والمجاعة؛
ومن هنا لا أتوقع أن يوقف نتنياهو شيء، وتبقى ورقة النقاش الوحيدة هي الأسرى وإيقاف الإبادة بالهدنة، ويجب أن تكوت هدنة بضمانات دولية، حتى لا تعود إسرائيل للقصف بعد أن تحصل على أسراها، إذ ربما تبعث الضمانات الدولية بريق أمل في إنهاء حرب الإبادة”.




