في رحاب الأزهر.. حقوق الأبناء على طاولة النقاش الفقهي

تقرير: مصطفى على
في إطار اهتمام الأزهر الشريف بتعزيز القيم الإسلامية والروحية في تربية النشء، وتحت مظلة رؤيته المعاصرة في تجديد الخطاب الديني، احتضن الجامع الأزهر الشريف يوم الاثنين ملتقاه الفقهي الأسبوعي بعنوان: “حقوق الأبناء رؤية فقهية”، وذلك ضمن سلسلة لقاءات “رؤية معاصرة” التي تُعقد كل أسبوع لمناقشة القضايا الفقهية التي تلامس الواقع المجتمعي.
شهد الملتقى حضور كوكبة من العلماء والمتخصصين في الفقه الإسلامي، على رأسهم الدكتور رمضان الصاوي، نائب رئيس جامعة الأزهر، والدكتور علي مهدي، أستاذ الفقه وعضو لجنة الفتوى بالجامع الأزهر، وأداره الدكتور مصطفى شيشي، مدير إدارة شؤون الأروقة بالجامع الأزهر.
تكريم الأبناء.. مدخل لتكريم الإنسان
استهل الدكتور رمضان الصاوي كلمته بالتأكيد على أن تكريم الإنسان يبدأ بتكريم الأبناء، مستندًا إلى النصوص الشرعية التي تعتبر أن أول حقوق الأبناء تبدأ قبل ولادتهم، من خلال اختيار الشريك الصالح، وهو ما عبّر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه”.
كما أورد فضيلته حديثًا آخر: “تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس”، وهو تأكيد شرعي على أهمية مراعاة الأصل والخلق عند اختيار شريك الحياة لما لذلك من أثر مباشر على الأبناء نفسيًا وسلوكيًا.
وضرب الصاوي مثالًا حيًا من التاريخ الإسلامي، في قصة الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع رجل جاء يشكو عقوق ابنه، فأجابه ابنه بالقول: “أليس للولد على أبيه حق؟”، وعدد تلك الحقوق من حسن اختيار الأم والاسم والتعليم، وهو ما لم يفعله الأب، فكان رد عمر رضي الله عنه حاسمًا: “قد عققته قبل أن يعقك”.
من النسب إلى الرعاية.. حقوق الأبناء مراحل تبدأ قبل المولد
عدد الدكتور الصاوي مراحل حقوق الأبناء، مشيرًا إلى أنها تبدأ منذ الفرح بقدوم المولود، ثم إثبات نسبه ليكون له هوية تحميه من الازدراء المجتمعي، وهو ما اعتبره الإسلام ضمانة لكرامة الطفل ومنعًا لظواهر سلبية مثل “أبناء الشوارع”، الناتجة عن العلاقات المحرمة التي لا يُعترف فيها بالنسب.
ثم تأتي مرحلة الحضانة والرعاية، حيث أكدت الشريعة على أن الأم أولى بالحضانة، مادامت لم تتزوج، كما في الحديث الشريف: “أنت أحق به ما لم تتزوجي”. وقد أورد الصاوي مثالًا واقعيًا من موقف أبي بكر الصديق عندما قال لعمر في موقف مشابه: “ريقها خير له من شهد وعسل عندك يا عمر”.
كذلك نبه فضيلته إلى حق الرضاعة والرعاية العاطفية، مستدلًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قبّل الحسن بن علي رضي الله عنهما، فأنكر الأقرع بن حابس ذلك، فأجابه النبي: “من لا يرحم لا يُرحم”. وهو درس نبوي عملي في إظهار الرحمة والحنان للأطفال.
الدكتور علي مهدي: الطفولة أساس البناء التربوي.. والرحمة جوهر التربية الإسلامية
من جانبه، ركز الدكتور علي مهدي على أهمية الطفولة كمرحلة محورية في تكوين الإنسان، مشيرًا إلى أن الشريعة الإسلامية جاءت في بيئة قاسية لا تعرف الرحمة مع الأطفال، فحرص النبي صلى الله عليه وسلم على تغيير هذه الصورة، وإرساء ثقافة الحنان والملاطفة في تربية النشء.
وأوضح أن التربية الإسلامية لا تقوم على التوبيخ والنقد الدائم، بل على احتواء الأبناء، وفهم خصائص كل مرحلة عمرية يمرون بها، مشيرًا إلى أن فشل بعض الآباء في تربية أبنائهم لا يعود إلى عناد الأبناء بل إلى جهل الآباء بخصائص الطفولة.
وأضاف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قدوة في التربية العملية، فكان يتعامل مع كل طفل وفق طبيعته، ومقامه، وظروفه، ليغرس فيه الثقة والرحمة، ويُعَلّمه تحمل المسؤولية.
بناء إنسان متكامل.. تربية تبدأ قبل الولادة ولا تنتهي في الصغر
بيّن الدكتور علي مهدي أن الخطاب النبوي لم يكن نظريًا، بل كان قائمًا على ممارسات يومية تجسّد المبادئ التي ينبغي على الأمة الالتزام بها في تربية الأبناء، لافتًا إلى أن عدم قراءة السنة النبوية قراءة تربوية صحيحة أدى إلى كثير من المشكلات السلوكية في البيوت المسلمة اليوم.
ودعا إلى أن تكون تربية الأطفال مشروعًا معرفيًا متكاملًا يستند إلى فهم الشريعة لا إلى تقاليد المجتمع فقط، حتى يمكن بناء جيل متوازن يحمل القيم الإسلامية وينبذ التطرف والفراغ النفسي.
ذرية صالحة لمجتمع صالح
في ختام الملتقى، شدد الدكتور مصطفى شيشي على أن الذرية الصالحة من أعظم النعم التي يتمناها الإنسان، وهي زينة للحياة الدنيا، كما قال الله تعالى: “المال والبنون زينة الحياة الدنيا”. ولذلك، جاءت الشريعة الإسلامية لتؤسس منظومة حقوقية شاملة للأبناء، تبدأ منذ لحظة التفكير في الزواج، وتمتد لتشمل كل مراحل الحياة.
وأكد أن الرسالة التربوية للأزهر لا تقتصر على التعليم الأكاديمي، بل تشمل أيضًا نشر الوعي المجتمعي عبر هذه الملتقيات التي تستعرض رؤى فقهية معاصرة لأهم قضايا الأسرة والمجتمع.
يُعقد الملتقى الفقهي “رؤية معاصرة” كل يوم اثنين في الجامع الأزهر الشريف، برعاية فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وبتوجيهات من فضيلة الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر، ويهدف إلى تأصيل الفقه المعاصر ومواجهة المشكلات الاجتماعية بقواعد الشريعة الوسطية المعتدلة، مساهمًا في تعزيز الوعي الديني والأسري لدى المجتمع الإسلامي.

