في يوم العيش معًا بسلام.. صرخة من فلسطين تنادي العالم

كتب : مصطفى على
بينما يحتفي العالم في هذا اليوم بالعيش معًا بسلام، رافعًا شعارات التسامح والتضامن والوئام، تتصدع هذه الشعارات على أرض الواقع أمام مشاهد الألم والظلم، التي لا تزال تتكرر يومًا بعد يوم في فلسطين، حيث يُحرم الشعب الفلسطيني من أبسط حقوقه، وعلى رأسها الحق في الحياة الكريمة والأمن والكرامة الإنسانية.
في الوقت الذي تتحد فيه أصوات البشرية لمناشدة السلم والتعايش، يبقى الفلسطينيون، ومعهم شعوب أخرى مستضعفة، أسرى واقع مأساوي يفتقر لأبسط مقومات العيش المشترك.
السلام الحقيقي لا يعرف التمييز
الاحتفال الدولي بـ”يوم العيش معًا بسلام”، الذي أقرته الأمم المتحدة ليكون يومًا لتذكير البشرية بقيم التفاهم والاحترام المتبادل بين الثقافات والشعوب، يبدو بعيدًا كل البعد عن التطبيق حين يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني، الذي ما زال يتعرض لانتهاكات صارخة لحقوقه الأساسية، بينما يواجه العالم هذه المعاناة بصمت مطبق أو تعاطف رمزي لا يتجاوز حدود البيانات.
الناشطة الحقوقية رانيا الخطيب تقول :
العيش معًا لا يكون حقيقيًا ما لم يشمل الجميع، لا يمكن أن نتحدث عن السلم العالمي ونغض الطرف عن معاناة الملايين من الفلسطينيين، الذين يُحاصرون، ويُهجّرون، وتُقصف بيوتهم، وتُقيّد حركتهم، وتُنتهك كرامتهم ليل نهار.
العيش المشترك لا يعني التعايش مع الظلم
بينما يروج الإعلام الدولي لقيم التسامح والسلام، يعجز عن نقل الصورة الكاملة لما يعانيه الفلسطينيون، خصوصًا في قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس الشرقية أطفال يُحرمون من التعليم، أسر تُهدم بيوتها أمام أعينها، شباب يُعتقلون تعسفًا، وآباء وأمهات يُدفنون تحت أنقاض المنازل المدمّرة.
وفي هذا السياق، تشير تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية إلى أن “التمييز المؤسسي والعنف الممنهج ضد الفلسطينيين” هو واقع يومي، يتنافى كليًا مع المبادئ التي يدعو إليها يوم العيش المشترك، ومنها العدالة، والكرامة، والحرية.
المفكر الفلسطيني الدكتور يوسف العوضي يرى أن:
“السلام ليس كلمات تُتلى في المؤتمرات، بل هو فعل سياسي وأخلاقي يجب أن يبدأ من إحقاق الحقوق لا يمكن للعيش المشترك أن يزدهر ما دام هناك احتلال وقمع وتشريد.”
السلام لا يتحقق دون عدالة
في الوقت الذي تحتفي فيه بعض العواصم باليوم العالمي للعيش المشترك عبر فعاليات ثقافية وفنية، تبرز مفارقة موجعة: شعوبٌ تُغنّي للسلام، وأخرى لا تجد فيه سوى طيف حلم بعيد.
الفلسطينيون لا يرفضون السلام، بل يطالبون به منذ عقود، لكنهم يشترطون بحق أن يكون سلامًا عادلًا، شاملاً، يضمن عودتهم، وحقوقهم، وإنهاء الاحتلال هذه هي المعايير التي تجعل من العيش المشترك قيمة فعلية، لا ديكورًا لفظيًا.
المحلل السياسي عبد الرحمن شحاتة يعلّق:
في ظل هذا اليوم، ينبغي للعالم أن يتوقف عن دفن رأسه في رمال الإنكار الفلسطينيون لا يطلبون امتيازات، بل يطالبون بحياة طبيعية، بأمان، بحرية، بسلام يعترف بإنسانيتهم.”
رسالة اليوم: لا سلام بلا صوت للضعفاء
الرسالة الحقيقية لهذا اليوم العالمي لا تكمن في الحفل ولا التصريحات، بل في تحويل المفهوم إلى التزام حقيقي نحو جميع الشعوب التي تعاني التهميش والاضطهاد، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني.
العيش معًا بسلام يفترض بالضرورة إنهاء الحروب، ووقف التهجير القسري، وضمان المساواة، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون تحرك دولي فاعل يرفض الاحتلال، ويدعم الحلول السياسية العادلة، ويعيد للفلسطينيين حقهم الطبيعي في أرضهم، وفي تقرير مصيرهم.
صوت فلسطين في يوم السلام
في ذكرى يوم السلام العالمي، تصبح فلسطين أكثر من قضية؛ إنها اختبار حقيقي لمصداقية المبادئ الأممية هل يمكن للضمير الإنساني أن يحتفل بالسلام، بينما شعب بأكمله يرزح تحت نير القهر والحرمان؟
الطفل محمد من نابلس، 11 عامًا، كتب عبارة تلخص المشهد:
أنا لا أعرف ما هو العيش معًا بسلام، لأننا نعيش هنا مع الخوف فقط.
حين يصبح السلام التزامًا
الاحتفال بالسلام لا يكتمل إن لم يتحول إلى وقفة ضمير عالمي، تُراجع فيها السياسات، وتُستنهض فيها الإرادات لإنهاء الظلم، ونصرة المستضعفين، وعلى رأسهم شعب فلسطين.
إن العيش معًا بسلام لا يعني فقط التفاهم بين الثقافات، بل الوقوف الحازم ضد الاحتلال والعنصرية والتمييز ولا يمكن لهذا اليوم أن يحمل أي معنى، ما لم يكن نقطة انطلاق لإنهاء معاناة من يُحرمون يوميًا من أبسط حق: أن يعيشوا بأمان، مثل بقية شعوب الأرض.
هل سيتحقق السلام؟
ربما، إذا تحوّلت الكلمات إلى مواقف، والاحتفالات إلى قرارات، والأمنيات إلى سياسات عادلة تردّ لكل شعب حقه، وتضمن له كرامته.
حتى ذلك الحين… سيبقى صوت فلسطين حاضرًا في كل يوم يُحتفى فيه بالسلام.
