عرب-وعالم

بين أنقرة وباكو ودمشق.. الغاز الآذري وأزمة الطاقة في سوريا

تقرير: سمر صفي الدين

بعد شهرين على إطلاق مشروع توريد الغاز الأذربيجاني لسوريا عبر تركيا، الذي روج له كمنقذ لقطاع الكهرباء السوري، تتبدد الآمال سريعًا أمام واقع تقني معقد وعقود استثنائية غامضة.

وبموجب الاتفاق، تزود سوريا بـ3.4 ملايين متر مكعب من الغاز يوميًا لتوليد نحو 900 ميغاواط، ما يفترض أن يرفع ساعات التغذية إلى 10 ساعات يوميًا.

فبين وعود بزيادة ساعات التغذية وتحذيرات من أضرار تشغيلية محتملة، يجد السوريون أنفسهم مجددًا في دائرة العتمة. وفي هذا الصدد، يسعى موقع “اليوم” لرصد أسباب الأزمة وتداعياتها.

دفعة أولى لإنعاش الطاقة السورية

ومن دمشق، قال الكاتب الصحفي السوري وائل أمين، إن مشروع توريد الغاز الأذربيجاني إلى سوريا مطلع أغسطس الماضي شكل دفعة قوية لقطاع الطاقة في البلاد. الذي يعيش واحدة من أسوأ أزماته منذ اندلاع الحرب عام 2011.

وأوضح في حديثه لـ”اليوم” أن المشروع، الذي تم بموجب اتفاق ثلاثي بين دمشق وأنقرة وباكو، جاء بعد شهور من المفاوضات الفنية واللوجستية التي سبقت وصول الغاز فعليًا إلى الأراضي السورية.

وأشار أمين إلى أن المرحلة الأولى من التنفيذ تضمنت إعادة تأهيل خط الربط حلب–كلس الذي يعد الشريان الرئيسي لنقل الغاز القادم من تركيا إلى الداخل السوري، مبينًا أن هذا الخط كان قد تعرض لأضرار كبيرة خلال سنوات الحرب.

وأضاف أن لجانًا فنية من وزارتي الطاقة السورية والأذربيجانية عقدت اجتماعات مكثفة في باكو لإعادة تقييم الوضع الفني. وتم تجاوز العديد من العقبات التقنية قبل بدء التوريد الفعلي.

وأوضح أن الغاز الأذربيجاني بدأ بالتدفق تدريجيًا إلى محطات التوليد العاملة بالغاز، مثل محطة حلب الحرارية، ومحطة أذارة في ريف حماة، ومحطة دير علي في ريف دمشق. مما ساهم في زيادة الإنتاج الكهربائي ورفع ساعات التغذية في بعض المدن.

وأشار إلى أن الانطباع الأولي لدى المواطنين كان إيجابيًا. خاصة مع تحسن جزئي في وصول التيار الكهربائي خلال الأسابيع الأولى من التشغيل.

مشكلات فنية وعقود استثنائية

رغم الانطلاقة الواعدة، سرعان ما ظهرت مشكلات فنية غير متوقعة. إذ تبين أن الغاز الأذربيجاني لا يتطابق تمامًا مع المواصفات التشغيلية للعنفات السورية القديمة، التي يعود تاريخ إنشائها إلى الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

وبحسب أمين أن هذه المحطات متهالكة بطبيعتها نتيجة الحرب الطويلة والحصار والعقوبات، ما جعلها عاجزة عن التعامل بكفاءة مع الغاز الجديد دون إعادة تأهيل كاملة.

وأضاف أن هذا الخلل أدى إلى انخفاض كفاءة التوليد وتراجع الأداء في عدد من المحطات بعد أسابيع من التشغيل. رغم محاولات وزارة الطاقة السورية طمأنة المواطنين بالحديث عن “تحسن تدريجي خلال الأشهر المقبلة”.

كما أوضح أن بعض الضواغط في محطة التوينان واجهت أعطالًا متكررة، ما أثر على استقرار ضخ الغاز إلى باقي المحطات.

وعلاوة على ما سبق، أشار الصحفي السوري إلى أن العقد الخاص بتوريد الغاز تم توقيعه بقرار استثنائي دون المرور بهيئة المواصفات والمقاييس. وهو ما أثار تساؤلات فنية حول مدى ملاءمة الغاز الأذري للبنية التحتية السورية.

ورأى أن الاستعجال في التنفيذ كان مدفوعًا بحاجة البلاد الماسة للكهرباء. إذ لم يعد بإمكان الحكومة الانتظار في ظل الانهيار شبه الكامل للقطاع الكهربائي.

أسباب التوجه نحو باكو

في هذ السياق، يرى أمين أن اختيار أذربيجان كمصدر للغاز لم يكن قرارًا تقنيًا فقط. بل جاء نتيجة حسابات سياسية وجغرافية معقدة. فوجود خط نقل جاهز يربط بين أذربيجان وتركيا، ومن ثم إلى سوريا. جعل الخيار الأذري أكثر واقعية وأقل تكلفة من استيراد الغاز من دول الخليج.

كما أن باكو أبدت استعدادًا كبيرًا للتعاون مع دمشق ضمن ما وصف بأنه “دعم إنساني – اقتصادي” لسوريا الجديدة، بعد التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد في أعقاب سقوط النظام السابق في ديسمبر الماضي.

وأوضح أن المنحة القطرية التي تم تخصيصها لدعم ملف الطاقة السوري لعبت دورًا أساسيًا في تمويل الصفقة، إلى جانب تسهيلات تركية ولوجستية كبيرة لتسريع عملية النقل.

وأكد أن هذا التوجه لم يكن نتيجة ضغوط سياسية كما يُشاع، بل خطوة عاجلة لإنقاذ سوريا من “العتمة الشاملة”، حيث توقف الاقتصاد والحياة العامة نتيجة نقص الكهرباء.

وقال أمين: “أي بلد يعيش بلا كهرباء يتوقف فيه كل شيء.. المطارات، المصانع، المستشفيات، وحتى أبسط الخدمات العامة”. مشددًا على أن مشروع الغاز الأذربيجاني جاء ضمن خطة طارئة لإعادة الحياة إلى البلاد. وليس كمبادرة سياسية ذات أهداف خفية.

تحسن محدود وتحديات مستمرة

ورغم الوعود الحكومية بتحسين ساعات التغذية إلى عشر ساعات يوميًا. إلا أن النتائج على الأرض كانت أقل بكثير من التوقعات. فبحسب أمين، لم تتجاوز ساعات الكهرباء في المدن الكبرى ثماني ساعات يوميًا.

بينما بقيت بعض المناطق الريفية تعيش على 4 ساعات فقط من التغذية، في ظل استمرار الأعطال وضعف الشبكات.

وأشار إلى أن السبب الرئيسي وراء ذلك يعود إلى الدمار الواسع في البنية التحتية. حيث تفتقر العديد من المناطق إلى الأعمدة والمحولات والكابلات الضرورية لنقل الكهرباء.

كما أضاف أن محطات التحويل الفرعية تحتاج إلى إعادة تأهيل شامل قبل أن تتمكن من الاستفادة من زيادة الإنتاج الكهربائي.

وأوضح أن سوريا تحتاج اليوم إلى نحو 6000 ميغاواط لتغطية احتياجاتها الأساسية. بينما لا تنتج سوى قرابة 2500 ميغاواط، أي أقل من نصف المطلوب.

وهذا يعني أن العجز لا يمكن تعويضه بمجرد إدخال غاز جديد ما لم تترافق الخطوة مع خطة وطنية شاملة لإعادة بناء منظومة الطاقة بالكامل.

خطة التحديث ومحدودية النتائج

وكشف أمين أن وزارة الطاقة السورية أطلقت خلال الأسابيع الماضية مشروعًا كبيرًا لتحديث محطات التوليد الرئيسية، من بينها محطة بانياس. التي بدأ فيها استبدال عدد من الحراقات والآلات القديمة لرفع الكفاءة التشغيلية وجعلها أكثر توافقًا مع أنواع الوقود الحديثة، سواء الغاز المستورد أو النفط المحلي.

لكنه أكد أن هذه المشاريع لا تزال في مراحلها الأولى، وأن حجم الضرر في القطاع يتطلب سنوات طويلة من العمل قبل أن تظهر النتائج الملموسة.

كما أشار إلى أن سوريا “أنقذها الغاز الأذربيجاني ولم ينقذها بالكامل”. موضحًا أن الصفقة ساعدت في تخفيف حدة الأزمة لكنها لم تعالج جوهر المشكلة المتمثل في التهالك الشديد لشبكات النقل ومحطات التحويل وخطوط التوزيع وصولاً إلى المحولات المنزلية.

وأوضح أن كل هذه المكونات بحاجة إلى إعادة بناء من الصفر بعد سنوات من التدمير والإهمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى