الرئيسيةعرب-وعالم

قصة من غزة… كيف يقتل الاحتلال الكلمة والإنسانية باغتيال صاحبهما؟

حوار: مروة محي الدين

“عبد الرحمن توفيق العبادلة”… شاب فلسطين يحكي قصة استهداف الكلمة والكاميرا والميكروفون، في الثلاثين من عمره، فكان يحمل من الحلم والأمل والطموح، ما يحمله غيره ممن اختاروا نقل حقيقة، تشيح العيون عن رؤيتها.

بيد أن الاحتلال أبى أن يتركه ليحقق الحلم، فجعل منه الشهيد 219 بين شهداء الصحفيين، الذين بلغ عددهم منذ 7 أكتوبر 2023 حتى وقف إطلاق النار 254 شهيدًا.

في 18 مايو 2025، قتله الاحتلال في غارة على بلدة القرارة بخانيونس، مع 4 من زملائه، حيث ظل الاتصال مقطوعا معه يومين، قبل إعلان استشهاده، وهو الذي لم يكن يحمل شيئًا، سوى كاميرا وطموح وأمل عائلة كان هو شريان حياتها.

قصة العبادلة قد نجدها مكررة في غزة، على مدار عامين من الإبادة، لذا تبقى نموذجًا يجب معرفة تفاصيله، التفاصيل التي ترويها زوجته، السيدة “صبحية السيد سليمان- 29 عامًا”، في حديث خاص لموقع اليوم، نسرده في السطور التالية.

الصحفي الإنسان

“عبد”- حسبما تكنيه- شخص خدوم للجميع بكل الوسائل، ويحبه الجميع، ينطبق عليه المثل القائل: “ما في يده ليس له”، ويبذل لأجلهم كل ما في وسعه، حتى المياة كان هو من يأتي بها للمخيم.

قبل استشهاده بأربعين يومًا، قال لي: رأيت ملك الموت جاء ليقبض روحي، فطلبت منه ألا يفعل الآن؛ ويوم الاستشهاد قال لي أنه يود أن يرتدي أفصل ما عنده، فقلت له: “بالمرة إحلق”، فضحك مثنيا على ما قلت، ثم ودعته وخرج.

كان يقول لي- عليه رحمة الله- قبيل استشهاده: “إدعي لي أتزوج”، فأرد: “الله يزوجك”، فيجيبني: “تفكريش راح أتزوج عليكي امرأة أخرى، أنا بدي أتزوج الصراط المستقيم”، فأدعي له به، وهذا الحوار كان يدور بيننا يوميًا، وفي حوار آخر يقول لي: “بدي أتزوج من الحور العين، وتكوني أنت ملكة عليهم”، حتى أنني قلت له ذات مرة: “أنا خلاص حفظت الدرس، وقبل ما تقولها هقولها لك: الله يزوجك الصراط المستقيم”.

وكان شخصًا محبوبا ذو سمعه طيبة، حتى أقيم له أكثر من عزاء، في غزة والضفة الغربية ومصر، وحتى أهلي أقاموا له أكثر من عزاء، وكل ذلك من حب الناس له.

استشهاد العبادلة

في يوم الاستشهاد، جاءتنا أنباء تفيد بانسحاب جيش الاحتلال من بلدة القرارة، فتحرك عصرًا إلى البلدة ليتفقد بيتنا هناك، يومها طلبت منه ألا يذهب، فقال لي إنه لن يتأخر سوى لعشر دقائق، فذهب وتأخر كثيرًا، ولم يعد طوال الليل، صليت العشاء وبعدها انتابني إحساس بالاختناق، بت أنتظره ولما تأخر الوقت هرعت إلى والدته، سألتها عنه فلم أجده، فعدت إلى منزلي وصليت ركعتين استودعته بهما عند الله فهدأت نفسي قليلًا.

كان يومًا شديد السوء، حيث أصيبت أختي فيه، وانقطع الاتصال مع “عبد”، حتى جاء اتصال من هاتفه الجوال، وقال المتصل، ويقول: “صاحب هذا الجوال استشهد، وجثمانه أمامي، وكذلك جثمان صديقه يزن”.

في البداية لم يخبروني الحقيقة، واكتفوا بأن أبلغوني أنه مصاب وفي المستشفى، وكان هو لقي ربه منذ غروب شمس يوم 17، الذي ذهب فيه، ودفن اليوم التالي الذي عثروا عليه فيه.

نزل الخبر علي كالصاعقة، التي لم أتجرع مرارتها بمفردي، فقد تجرعتها معي جميع المخيمات من حولنا، فبكت العيون رجلًا كان في خدمة الجميع، متطوعًا دائمًا لمساعدتهم، حتى في أبسط الأشياء، مثل إحضار المياة للمنطقة، فكان هو من يتواصل مع الناس لجلبها.

علمت بعدها أن ذلك الرجل كان متواجدا في المكان بالصدفة، وعثر على جثمان زوجي، وجثمان صديق له كان معه، ولإعادة جثامينهم تقاضى منا الرجل 1800 شيكل، لأن المنطقة خطرة، والدخول إليها والخروج منها صعب، فدخولها يعني مباشرة الاستشهاد.

الاحتلال يحرم أطفاله

“خالتو… كيف حالك! أنا أمل…”

كذلك أطلت “أمل عبد الرحمن العبادلة” لتقطع الحديث مع والدتها، بصوتها الطفولي البرئ، ومع أول رد استقبلته على كلماتها، كانت تقبل على الحديث بروح مزهرة، فترسل ذلك الملصق الطريف، بينما تقول: “بعتلك البسة اللي عتضحك…، أنا عسل”.

وكأنها فقط تعطي رسالة، بأن غزة مكان ملئ بالزهور والبراعم، التي تحب الحياة، وترغب أن تحياها مثل كل أطفال العالم، لكن الاحتلال يحرمهم منها، ففي خيمة “العبادلة”، التي قتل عائلها منذ شهور، وذاب قماشها بفعل أشعة الشمس، يعيش أطقاله الثلاثة: توفيق- 4 سنوات، وأمل- 3 سنوات، ولؤي عمره عام واحد.

تعود “صبحية” لتكمل السرد، عن خسارة أطفالها بعمر الزهور والدهم، فتقول: أولادي شديدي التعلق بأبيهم، حتى أنهم في ظل ظروف النزوح والحياة في الخيمة، كانوا ينتظرونه يوميا عند مدخلها، فيركضون إليه لحظة وصوله، حتى الصغير الذي كان عمره تسعة شهور وقت استشهاد أبيه، كان يهلل لحظة رؤيته له.

وهو كان مثلهم شديد التعلق بهم، فيبقى متمسكًا بوجودهم معه طوال فترة بقاءه في الخيمة، دون أن يفارقهم، فيسهر يلهو معهم، ويصنع معهم الطائرات والقوارب الورقية، وفي حياته لم يكن يحرمهم شيئًا، فيأتيهم بكل ما يرغبون، حتى في ظل غلاء الأسعار المهول، الذي نجم عن الحصار الخانق للقطاع.

ويوم استشهاده، علم الأولاد بالخبر، فإذا بأسئلتهم تلاحقني، فتسأل “أمل”: هل دفنوه ووضعوه بالجورة ثم أهالوا عليه الرمال؟ حيث لم نستطع رؤيته بعد الاستشهاد، لأن جنازته مرت سريعة جدا.

وكل ما رأيناه منه يده، حيث نصحني من رأوه ألا أرى وجهه، لأن الاحتلال آصابه بطلقة مباشرة في الرأس، كانت نتيجتها أن بقي كامل جسده سليم، وتهشمت رأسها كما أغرقتها الدماء، لذا قالوا لي: الأفضل ألا ترى وجهه إبقاء على صورته القديمة.

ومن يومها، أجد أطفالي يستحضرون صورة أبيهم في كل لحظة، فتستيقظ ابنتي من نومها، لتقول: “بابا جاب لي حاجات”، وفي جلستنا خلال ساعات النهار أمام الخيمة، فأجدها تقول: “إلحقي يا ماما بابا قاعد تحت النخلة”، وفي يوم آخر أجدها تدخل علي فتقول: “ماما بابا بيقولك إلبسي عبائتك، ولبسي لؤي وتوفيق، هو بستناكي ع الباب علشان نروح السوبر ماركت”.

وذلك بخلاف بكائها اليومي، بينما تقول لي: “بدي بابا”، حتى أنها مع رؤية أبيها جثمان، امتنعت عن الطعام، ما أدى إلى فقدانها الوزن، ونصحني الأطباء بالترفيه عنها، عبر إخراجها إلى أي مكان تتنزه فيه، وبالطبع ذلك شيء صعب في الحرب.

أما الصغير الذي يبلغ من العمر عام واحد، يتحرك في المنزل ويأتيني بجوال أبيه، ويقول: “بابا”، فأفتحه له على صورة أبيه، ليلتقط الهاتف مني ويقبل الصورة عدة مرات.

أما ابني الأكبر، لم يكن يصدق موت أبيه وغيابه عن حياتهم، فكان يسأل عن مكانه باستمرار، لذا اصطحبناه إلى قبر أبيه ليزوره، وأبلغناه أن ذلك مكانه، فإذا به يصرخ، ويقول: “بدي بابا… طلعوا لي بابا من هنا”، ويومها استمر في نوبة بكاء لم يفق منها.

صحفي سلاحه الرسالة

تواصل “صبحية” حديثها: كان زوجي يعمل مديراً لمكتب جريدة أبو الهول في غزة، وكان مجمع ناصر الطبي ضمن مناطق التغطية، فكان يصور هناك الحالات، والناس، والإصابات، والوفيات، والأشلاء، وينقل المجازر هناك، وكان عمله ذلك من أجل نقل الخبر، لم يكن حتى يتلقى راتب عنه.

فتلقى تهديدًا مباشرًا من الاحتلال بنا، في رسالة تهديد قالوا فيها: زوجتك وأولادك وأمك وأهل بيتك تحت أعيننا في منطقة تواجدهم، فإما حياتهم أو تنسى الصحافة والإعلام، ومع تزايد استهدافات الصحفيين داخل المستشفى وخارجها، مثل: “أنس الشريف وحسن إصليح صديق زوجي المقرب”، والأخير سبقه في الأستشهاد ببضعة أيام، ما كان منه إلا التوقف عن العمل.

لكنه لم يستطع وقف عمله نهائيا، فعاد مرة أخرى للكتابة والصحافة، قبيل استشهاده بوقت قصير، وبالطبع كل صحفي في القطاع مستهدف، فاستهدف “عبد” بينما كان يصور فيديو بمنطقة القرارة، ليكون مصيره مصير كافة الكوادر المهنية في غزة، من الصحفي إلى الطبيب إلى غيره، فلم يترك الاحتلال كبيرًا ولا صغيرًا على أرض غزة دون استهداف، حيث رحل جميع أحبائنا في الحرب.

رحمه الله، كان شخصًا خفيفًا، جاء خفيفا ورحل خفيفا، فلم يكن يحب أن يثقل على أحد، ليته كان إلى جوارنا الآن، فقد كان دائما إلى جواري، إذا أصابني الضيق، لا أتحدث إلا إليه، فكان وحده من يفهمني، كما أني لا أحب الشكوى، لذا لم أكن أثقل عليه بمطالبي، فكنت أكفي بيتي بالموجود فيه، كما أحب أن أرضيه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى