كيف يواجه الاسلام الخطر الصامت الذي يهدد شباب الأمة؟

تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، يعيش كثير من الشباب العربي حالة من القلق وفقدان التوازن، جعلتهم فريسة سهلة للتدخين والمخدرات ليست المسألة مجرد انحراف سلوكي عابر، بل هي حرب قيمية صامتة تستنزف أرواح الشباب، وتُبدّد طاقاتهم، وتُضعف صلة الفرد بدينه ومجتمعه.
في الشوارع الخلفية، وفي مقاهي الأحياء، وأمام المدارس والجامعات، تتسع دوائر التعاطي يومًا بعد يوم شبابٌ ضائع بين دخان السيجارة وبودرة المخدر، وأسرٌ تبكي في صمت خوفًا من الفضيحة، ومجتمعٌ يئنّ تحت وطأة التفكك.
في المقابل، برز دور المساجد كمنابر للوعي والإصلاح، تحاول أن تعيد التوازن المفقود، وتستعيد الشباب إلى طريق الهداية والنور فهل تستطيع المساجد مواجهة هذه الموجة الجارفة وحدها؟ وما الأدلة الشرعية التي تُحرّم هذه الآفات وتصفها بأنها اعتداء على مقاصد الدين وكرامة الإنسان؟
التدخين والمخدرات.. وجهان لعملة الخراب
قد يبدأ الأمر بسيجارة عادية، “تجربة” بدافع الفضول أو لمجاراة الأصدقاء، لكنه سرعان ما يتحول إلى إدمانٍ يومي يصعب الفكاك منه ومع مرور الوقت، يُصبح الشاب مهيأً للانتقال إلى مرحلة أخطر: تعاطي المواد المخدّرة.
التدخين بوابة مفتوحة نحو الإدمان، فهو يُضعف الجهاز العصبي، ويقلل السيطرة على الذات، ويفتح الطريق لتجربة “المخدر” بحثًا عن متعة مؤقتة تُنسي الواقع.
تقول الإحصاءات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 80% من مدمني المخدرات بدؤوا رحلتهم بسيجارة، لتتحول بعد سنوات إلى مواد أكثر فتكًا مثل الحشيش، والترامادول، والكوكايين، والهيروين.
لكن الخطر لا يقتصر على الجسد، بل يمتد ليشمل الأخلاق والسلوك، إذ يُفقد المدمن وازعه الديني، ويُدمر قدرته على التفكير السليم، ويُورّطه في سلوكيات محرمة كالسرقة والعنف، بل أحيانًا القتل.
الأثر الصحي والنفسي والاجتماعي.. تدمير بطيء للعقل والجسد
من الناحية الطبية، تُمثّل المواد المخدّرة سُمًّا قاتلًا يتسلّل إلى أجهزة الجسم تدريجيًا التدخين وحده مسؤول عن أمراض القلب والرئة وسرطان الفم والحلق، بينما تتسبب المخدرات في تلف الكبد، واضطراب الجهاز العصبي، وضعف المناعة، والعجز الجنسي.
أما من الناحية النفسية، فالإدمان يخلق حالة من الانفصال عن الواقع يفقد الشاب الإحساس بالمسؤولية، ويعيش في عزلة عن الأسرة والمجتمع، تلاحقه نوبات من الاكتئاب والهلوسة والقلق، وتنتهي الحال بالكثيرين إلى الانتحار أو الجنون.
اجتماعيًا، يتحول المدمن إلى عبء على أسرته، يبدّد المال والصحة والكرامة، ويجرّ العائلة إلى مشكلات قانونية وأخلاقية. فكم من أمٍّ باعت مصوغاتها لإنقاذ ابنها من الإدمان، وكم من أبٍ أُصيب بأمراض القلب حزناً على ضياع ابنه!
المنظور الشرعي.. المخدرات والتدخين في ميزان الإسلام
يضع الإسلام مقاصد كبرى لحماية الإنسان، تُعرف بـ«مقاصد الشريعة الخمسة»: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل وكل سلوكٍ يهدد هذه المقاصد يُعتبر حرامًا شرعًا.
فالتدخين والمخدرات يفسدان العقل، ويدمران النفس، ويُهدران المال، ويُعرضان الإنسان إلى التهلكة.
قال الله تعالى:
«وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا» (النساء: 29)
«وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» (البقرة: 195)
وفي الحديث الشريف قال النبي ﷺ:
«كل مسكرٍ خمر، وكل خمرٍ حرام»
وقال أيضًا:
«لا ضرر ولا ضرار»
وبناءً على هذه النصوص، أجمع العلماء على أن كل مادة تُذهب العقل أو تُؤدي إلى ضررٍ جسدي أو نفسي فهي حرام، سواء كانت مشروبًا أو تدخينًا أو استنشاقًا أو حقنًا.
وقد أصدر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية عشرات الفتاوى تُحرّم التدخين والمخدرات معًا، مؤكدين أن كليهما يدخلان في دائرة المحرمات التي تهدر نعمة العقل وتخالف شرع الله.
رابعًا: الإدمان.. خطيئة اجتماعية لا يُعالجها التجريم وحده
من منظورٍ اجتماعي، الإدمان ليس مجرد ذنبٍ فردي، بل نتيجة تراكمية لمشكلات اقتصادية وثقافية وتربوية فغياب الحوار داخل الأسرة، وضعف الوازع الديني، والبطالة، والفراغ، والضغوط النفسية كلها عوامل تدفع الشباب إلى البحث عن “مهرب”.
لذلك، لا يمكن أن يُحلّ الإدمان بالعقوبات وحدها، بل ببرامج توعية وإرشاد وإعادة تأهيل. فالشاب الذي أوقعه ضعف الإيمان أو صحبة السوء في الإدمان يحتاج إلى يدٍ رحيمة لا عصا معاقِبة.
يقول أحد الأطباء النفسيين العاملين في مركز علاج الإدمان:
“أكثر من 70% من الحالات التي نتابعها لم تدخل عالم المخدرات بدافع الجريمة، بل بسبب الفراغ أو الضغوط أو تقليد الأصدقاء. حين يجد الشاب من يسمعه ويحتويه، يبدأ طريق التعافي”.
وهنا يظهر دور المسجد كمنارةٍ رحيمة تُعيد بناء النفس قبل الجسد.
دور المساجد.. منابر الإيمان والتحصين المجتمعي
كانت المساجد منذ عهد النبي ﷺ مراكز للعبادة والعلم والتربية والإصلاح الاجتماعي واليوم، يمكن أن تستعيد هذا الدور في مواجهة المخدرات عبر مسارات متعددة:
1. المنبر التوعوي
خطب الجمعة والدروس الأسبوعية يجب أن تُخصّص للحديث عن خطر الإدمان وآثاره المدمّرة، مع تقديم حلول واقعية للشباب والأسر، وربط القضية بالقرآن والسنة بلغة قريبة من وجدان الشباب.
كما يمكن للأئمة أن يفتحوا باب الأسئلة المجهولة الهوية عبر صندوق أو وسيلة رقمية لتشجيع المدمنين أو من يخافون الاعتراف على طلب المساعدة.
2. البرامج الوقائية للشباب
ينبغي للمساجد أن تنظم أنشطة ثقافية ورياضية واجتماعية تجذب الشباب بعيدًا عن المقاهي والفراغ.
في بعض المحافظات، أطلقت وزارة الأوقاف مبادرة “المسجد صديق الشباب”، حيث تُنظم مباريات رياضية، ودورات تدريبية، وورش مهارات الحياة، إلى جانب الدروس الدينية، وهي نماذج ناجحة يمكن تعميمها.
3. الدعم النفسي والاجتماعي
يمكن للأئمة والوعاظ بالتعاون مع أطباء وأخصائيين نفسيين أن يقدموا جلسات دعم للمتعافين من الإدمان وأسرهم.
فالكلمة الطيبة، والتواصل الروحي، والإيمان بالقدرة على التوبة من أهم مراحل الشفاء. قال تعالى:
«قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» (الزمر: 53)
4. شراكات مع مؤسسات الدولة
يُعَد التعاون بين وزارة الأوقاف ووزارة الصحة وصندوق مكافحة الإدمان أمرًا ضروريًا.
فمن خلال هذه الشراكات، يمكن للمساجد أن تتحول إلى مراكز استقبال أولي، تقدم المشورة المجانية وتوجه الحالات إلى مراكز العلاج المتخصصة.
سادسًا: مسؤولية الأسرة والمجتمع
لا يمكن للمساجد وحدها أن تتحمل العبء، فالمعركة ضد المخدرات تبدأ من داخل البيت.
يجب على الوالدين أن يزرعا الثقة والحوار، وأن يراقبا سلوك الأبناء دون قسوة كما أن للمدارس والجامعات ووسائل الإعلام دورًا رئيسيًا في ترسيخ قيم الانضباط وحب الحياة.
الإدمان لا يُواجه بالوعظ فقط، بل ببدائل عملية: فرص عمل، ورياضة، وأنشطة شبابية. فحين يُغلق المجتمع الأبواب أمام الشباب، تفتح لهم المخدرات أبواب الهلاك.
سابعًا: رؤية شرعية شاملة للحل
الإسلام لا يعالج الظواهر بالمنع فقط، بل بالتزكية والإصلاح لذلك، ينبغي أن يُعاد تعريف “الوقاية” من الإدمان على أنها عبادة، و”مقاومة الإدمان” على أنها جهادٌ في سبيل الله لحفظ النفس والمجتمع.
قال النبي ﷺ:
«من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
