ليسيه الحرية منارة “اللاييكية” التي صهرت الثقافات في قلب مصر

كتب: ايهاب حبلص
تعتبر مدارس “ليسيه الحرية” في الإسكندرية والقاهرة (المعادي وباب اللوق) أكثر من مجرد فصول دراسية وملاعب؛ إنها شاهد عيان على تحولات سياسية واجتماعية عميقة مرت بها مصر على مدار القرن العشرين.
الجذور البعثة العلمانية الفرنسية
تأسست مدرسة ليسيه الحرية بالإسكندرية عام 1909 على يد “البعثة العلمانية الفرنسية”. في وقت كانت فيه معظم المدارس الأجنبية تابعة لإرساليات دينية، جاءت “الليسه” لتقدم نموذجاً مختلفاً يعتمد على فصل الدين عن التعليم، وهو ما جعلها قبلة للنخبة المصرية من مختلف الأديان (مسلمين، أقباط، ويهود) بالإضافة إلى الجاليات الأجنبية التي كانت تملأ شوارع عروس البحر المتوسط.
العمارة.. حين يتحدث الحجر
إذا مررت بجوار مبنى الليسه في منطقة “الشاطبي” بالإسكندرية، ستجد نفسك أمام تحفة معمارية تنتمي لطراز “نيو-كلاسيك”. المباني ليست مجرد جدران، بل هي فضاءات صُممت لتسمح بمرور الضوء والهواء، تماماً كما كانت تهدف المدرسة لفتح العقول. الممرات الواسعة والمدرجات التاريخية لا تزال تحتفظ بصدى أصوات طلاب غدوا فيما بعد قادة في الفكر والفن والسياسة.
تحولت فى عام ١٩٦١ من “الفرنسية” إلى “القومية”
نقطة التحول الأبرز في تاريخ المدرسة كانت في عام 1961، عقب أزمة السويس (العدوان الثلاثي). تم تأميم المدرسة وتحويل تبعيتها لـ “المعاهد القومية” المصرية، وتغير اسمها من “ليسيه فرنسيه” إلى “ليسيه الحرية”. ورغم التمصير، ظلت المدرسة محافظة على هويتها الفرنكوفونية الفريدة، واستمرت في تدريس المنهج الفرنسي إلى جانب المنهج المصري، مما خلق مزيجاً تعليمياً نادراً.
مدرسة المشاهير
قائمة خريجي الليسه تضم أسماءً شكلت وجدان الثقافة المصرية والعالمية، منهم:
الملكة ناريمان (ملكة مصر السابقة).
ليلي مراد (قيثارة الغناء العربي).
يوسف شاهين (المخرج العالمي الذي جسد روح الإسكندرية في أفلامه).
ديميس روسوس (المطرب العالمي الذي ترعرع في أروقة المدرسة بالإسكندرية).
رمزية البقاء
تظل “ليسيه الحرية” حتى اليوم رمزاً للحرية الفكرية والانفتاح على الآخر. هي ليست مجرد مدرسة تخرج طلاباً يتحدثون الفرنسية بطلاقة، بل هي مؤسسة غرست قيم المواطنة والتعايش قبل أن تصبح هذه المصطلحات شعارات دارجة. إنها قطعة من باريس وُضعت في قلب الإسكندرية والقاهرة، لتمتزج بتراب مصر وتنتج أجيالاً تعشق الفن، الأدب، والحرية.
