ماذا نعرف عن قوات الدعم السريع في السودان؟

تقرير: سمر صفي الدين
اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023 أدخل البلاد في دوامة صراع طويل، لكن سقوط مدينة الفاشر بعد أكثر من عامين شكل نقطة تحول حاسمة في المشهد.
فالمدينة كانت آخر معاقل الجيش في دارفور ورمزًا لقدرته على الصمود. ومع انهيارها أصبحت قوات الدعم السريع في موقع متقدم يمكنها من فرض وقائع جديدة على الأرض.
هذا التطور يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع مستقبل السلطة والدولة في السودان. لفهم هذا الكيان بدقة، من الضروري تفصيل نشأته، دوره، تحالفاته، وتداعيات وجوده على مستقبل السودان.
من الجنجويد إلى “قوة نظامية”
تعود بدايات قوات الدعم السريع إلى مليشيا الجنجويد التي ظهرت مطلع الألفية في دارفور. وأسندت إليها حكومة الرئيس المعزول عمر البشير مهمة قتال الحركات المتمردة في الإقليم منذ عام 2003.
وينسب تأسيس نواة هذه المليشيات إلى الزعيم القبلي موسى هلال. بينما برز لاحقًا أحد قادتها محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي أصبح الشخصية الأبرز في مسار تحولها.
رغم الاتهامات الواسعة للجنجويد بارتكاب انتهاكات جسيمة وجرائم حرب أدت إلى نزوح وتشريد وقتل مئات الآلاف، اختارت حكومة البشير دمجها تدريجيًا في مؤسسات الدولة. فأصدر في 2013 مرسومًا رئاسيًا أعاد تشكيل هذه القوات تحت اسم “قوات الدعم السريع” وربطها بجهاز الأمن والمخابرات ثم برئاسة الجمهورية مباشرة. قبل أن يمنحها البرلمان عام 2017 صفة قوة أمنية مستقلة تتبع للقوات المسلحة.
بهذا الانتقال، تحولت الجنجويد من مليشيا عشائرية إلى قوة منتظمة لها قانون ونفوذ وامتداد جغرافي خارج دارفور، من النيل الأزرق إلى جنوب كردفان والعاصمة الخرطوم.
مناجم الذهب
ارتبط توسع الدعم السريع بقدرتها على بناء اقتصاد عسكري موازٍ، أبرز مصادره السيطرة على مناجم الذهب في جبل عامر ومناطق أخرى.
وتشير تقارير أممية إلى أن عمليات تهريب الذهب وتعاقدات الشركات المرتبطة بها شكلت مصدرًا رئيسيًا لتمويل القوة، إلى جانب عائدات المشاركة في حرب اليمن ضمن التحالف الذي قادته السعودية والإمارات.
ويتراوح عدد عناصر الدعم السريع -بحسب تقديرات مختلفة- بين 60 و100 ألف مقاتل، يتحركون عبر آلاف المركبات العسكرية رباعية الدفع المزودة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، إضافة إلى وحدات مدرعات خفيفة.
هذا الانتشار منحها قدرة تكتيكية عالية في القتال داخل المدن وعلى الحدود.
أدوار متشابكة داخل وخارج السودان
منذ تشكيلها رسميًا، شاركت قوات الدعم السريع في ملفات أمنية حساسة، بينها:
- مواجهة التمرد في دارفور وجبال النوبة
- حماية الحدود ضمن “عملية الخرطوم” لمكافحة الهجرة غير النظامية بدعم أوروبي
- القتال في اليمن ضمن صفوف التحالف العربي
- المشاركة في عزل عمر البشير عام 2019
- المساهمة في فض اعتصام القيادة العامة واتهامات واسعة بارتكاب مجزرة مروعة
- الإطاحة بحكومة عبد الله حمدوك في أكتوبر 2021
هذه الأدوار أكسبت حميدتي نفوذًا داخليًا ودعمًا خارجيًا متشابكًا، ما أهله ليصبح نائبًا لرئيس مجلس السيادة لاحقًا.
سقوط البشير وتصاعد الخلاف
بعد سقوط البشير، جرى بحث دمج الدعم السريع داخل الجيش كجزء من ترتيبات الانتقال السياسي نحو حكم مدني.
لكن الخلافات تصاعدت بين حميدتي ورئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان. خصوصًا حول تسلسل القيادة خلال مرحلة الدمج ومصير تراتبية الضباط.
وفي أبريل 2023 تفجرت المواجهة المسلحة بين الطرفين بعد تراكم التحشيدات العسكرية في الخرطوم ومروي. وسرعان ما تحولت العاصمة إلى ساحة حرب، امتدت آثارها لمناطق واسعة وأدت إلى انهيار البنية المدنية وتشريد ملايين السودانيين.




