المستشفيات الخاصة أجهزة حديثة وخدمات فاخرة.. والمريض رهينة التكلفة

كتب: احمد ابورحاب
لم تعد المستشفيات الخاصة مجرّد مبانٍ طبية عادية، بل صارت واجهة لقطاع ضخم يجمع بين أحدث الأجهزة الطبية والخدمات الفندقية الراقية، وسط وعود براحة المريض وسرعة العلاج، لكنها، في المقابل، تثير تساؤلات ملحّة: هل الهدف إنقاذ حياة المريض مهما كانت الظروف، أم أن التكلفة هي البوابة الأولى لعبور غرفة الطوارئ؟
هذا السؤال عاد بقوة إلى صدارة المشهد بعد واقعة وفاة مريضة داخل قسم الاستقبال بأحد المستشفيات الخاصة، بعدما تعطّل إسعافها بسبب إجراءات مالية، لتشتعل من جديد أزمة العلاقة بين الاستثمار والإنسانية في القطاع الصحي الخاص.
حيث أصبحت المستشفيات الخاصة، قبلة لشرائح واسعة من المرضى الباحثين عن خدمة أسرع ورعاية أفضل بعيداً عن الزحام والمعاناة في المستشفيات الحكومية.
لكن هذا البريق كثيراً ما يبهت أمام واقع أكثر قسوة، حين تتحوّل حياة المريض إلى رقم في فاتورة، ويجد نفسه أو ذويه أمام معادلة صادمة: العلاج مرهون بالدفع أولاً.
الواقعة التي فجّرت الجدل
أعادت واقعة وفاة إحدى الحالات داخل قسم طوارئ مستشفى خاص الجدل إلى الواجهة.
فبحسب روايات الشهود، وصلت المريضة تعاني من أزمة حادة تستلزم تدخلاً عاجلاً، إلا أن الطاقم الطبي اشترط إنهاء بعض الإجراءات الإدارية وسداد مبالغ مالية قبل الشروع في تقديم الإسعاف.
لحظات مرت كدهر، تدهورت خلالها الحالة سريعاً حتى فارقت المريضة الحياة وسط ذهول أسرتها، في مشهد ترك أسئلة مؤلمة تتردد: هل غلبت كفة الربح على كفة الإنسانية؟
قطاع يتأرجح بين الخدمة والربحية
خبراء في إدارة المستشفيات يؤكدون أن القطاع الخاص بات شريكاً أساسياً في المنظومة الصحية، وأن ما يقدمه من تجهيزات وخدمات متقدمة لا يمكن إنكاره.
الدكتور محمد عيد، خبير إدارة المستشفيات، يرى أن «المستشفيات الخاصة أصبحت ضرورة في ظل تزايد الضغط على القطاع الحكومي، لكنها تحتاج إلى ضوابط حقيقية حتى لا تتحول حياة المريض إلى ورقة تفاوض مالية».
من جانبهم، يعترف مواطنون تعاملوا مع تلك المؤسسات بأن الخدمة مميزة من حيث النظافة وسرعة الكشف، لكنهم أجمعوا على أن التكلفة الباهظة تمثل عبئاً يفوق قدرة الكثيرين، خصوصاً في لحظات الطوارئ التي لا تحتمل الانتظار ولا المحاسبة.
موقف وزارة الصحة
وزير الصحة والسكان كان حاسماً في تعليقه على واقعة الوفاة قائلاً:
«لن نسمح تحت أي ظرف بحرمان أي مريض من الإسعاف الفوري بحجة الإجراءات المالية، حياة المريض أولوية مطلقة، وقد وجهنا بتشكيل لجنة عاجلة للتحقيق ومحاسبة المقصرين».
وأضاف الوزير: «جميع المستشفيات، حكومية أو خاصة، ملزمة بتقديم الإسعافات العاجلة مجاناً حتى تستقر حالة المريض، وبعدها فقط يمكن استكمال أي أوراق أو إجراءات».
دعوات للإصلاح والرقابة
الواقعة المؤلمة فتحت باب النقاش حول ضرورة إصلاح المنظومة الطبية الخاصة.
مختصون شددوا على أهمية وجود آلية رقابية سريعة وفعّالة، تضمن التعامل مع المرضى باعتبارهم أصحاب حق في الحياة لا مجرد “زبائن”، مطالبين بإنشاء نظام تكاملي بين المستشفيات الحكومية والخاصة، بحيث لا يتحول العلاج في الأولى إلى رفاهية للأغنياء، بل يصبح جزءاً من شبكة أمان صحي متكاملة.
ما بين الاستثمار والإنسانية.. سؤال مفتوح
الاستثمار في القطاع الصحي واقع لا يمكن تجاهله، وهو يساهم في تطوير الخدمة الطبية ورفع كفاءتها.
لكن حين يقف المريض على حافة الموت، لا يعود مهماً حجم رأس المال أو فخامة المبنى، بل يصبح السؤال الذي يفرض نفسه: هل يظل المريض رهين التكلفة.. أم أن إنسانيته ستبقى فوق كل الحسابات؟


