كنوز ولعنة الملك الصبي.. أسرار توت عنخ آمون في المتحف المصري الكبير

تقرير: سمر صفي الدين
يشهد المتحف المصري الكبير استعدادات مكثفة لافتتاحه المرتقب خلال الساعات القليلة القادمة، حيث يضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية تمثل عصور الحضارة المصرية القديمة. ومن أبرزها المجموعة الكاملة لكنوز الملك توت عنخ آمون، والتي ستعرض لأول مرة في مكان واحد.
وينتظر أن يشكل هذا الحدث نقلة نوعية في السياحة الثقافية المصرية، بفضل تصميم القاعات المجهزة بأحدث تقنيات العرض والإضاءة والحفظ المتحفي المتقدمة.
وتم وضع اللمسات الأخيرة الخاصة بالقاعات المخصصة لعرض كنوز الملك الشاب، والتي يبلغ عددها 5398 قطعة. ضمن رؤية معمارية حديثة تبرز عظمة الفن المصري القديم وتفاصيل حياة القصر الملكي في الدولة الحديثة.
كما خصصت فاترين عرض زجاجية مطابقة لأعلى معايير الأمان، تتيح مشاهدة القطع في بيئة متحفية آمنة ومتوازنة.

الملك الصبي.. حاكم في سن التاسعة
وُلد الملك توت عنخ آمون نحو عام 1336 قبل الميلاد، وتولى الحكم في التاسعة من عمره ضمن الأسرة الثامنة عشرة، ليعرف لاحقًا باسم “الملك الصبي”.
ورغم قصر فترة حكمه التي لم تتجاوز تسع سنوات، فقد ترك إرثًا فنيًا وتاريخيًا ضخمًا بفضل ما احتوته مقبرته من كنوز فريدة، جعلت اسمه واحدًا من أشهر ملوك العالم.
وعلى الرغم من أن اسمه مُحي من السجلات الرسمية في العصور القديمة بسبب ارتباطه بالملك إخناتون. فإن اكتشاف مقبرته بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام أعاد إحياء ذكره وجعله رمزًا خالدًا للحضارة المصرية.
وتحول الملك الصغير إلى أسطورة عالمية بعد العثور على مقبرته الكاملة في وادي الملوك بالأقصر.

الملك توت ولعنة الفراعنة
في الرابع من نوفمبر عام 1922، أعلن عالم الآثار البريطاني “هوارد كارتر” اكتشاف المقبرة رقم 62 في وادي الملوك. وهي المقبرة الوحيدة التي وجدت كاملة تقريبًا دون نهب أو تدمير.
وقد احتوت المقبرة على أكثر من خمسة آلاف قطعة أثرية تمثل تفاصيل دقيقة من حياة القصر الملكي في مصر القديمة.
وضمت القطع المكتشفة التوابيت الثلاثة المتتابعة للملك، من بينها التابوت الذهبي الشهير الذي يزن أكثر من 110 كيلوجرامات من الذهب الخالص. إضافة إلى العربات الحربية، والمجوهرات، والأسلحة، وأدوات الزينة، وأثاث القصر الملكي.
كما أطلق اكتشافها موجة من الجدل في العالم بسبب ما عُرف آنذاك باسم “لعنة الفراعنة”. إثر سلسلة وفيات غامضة بين بعض أعضاء البعثة.
نهاية غامضة لملك شاب
رحل توت عنخ آمون في التاسعة عشرة من عمره، وظلت أسباب وفاته مثار بحث طويل بين العلماء.
فبينما تشير بعض النظريات إلى مقتله بدافع سياسي من وزيره “آي” الذي تزوج أرملته بعد وفاته، ترى دراسات أخرى أن وفاته كانت نتيجة إصابة بالملاريا أو مضاعفات كسر في الجمجمة.
وكشفت فحوص الحمض النووي التي أجريت عام 2010 عن معاناته من أمراض وراثية ناتجة عن زواج الأقارب داخل العائلة الملكية، ما زاد من احتمالات موته الطبيعي دون مؤامرة.
ورغم الغموض، بقيت شخصية توت عنخ آمون الأكثر جذبًا في التاريخ المصري القديم. نظرًا لتشابك الأسطورة بالواقع في سيرته القصيرة والمليئة بالأسرار.

مقبرة صغيرة وكنوزًا عظيمة
في سياق متصل، تتميز مقبرة توت عنخ آمون بتصميمها المتواضع مقارنة بمقابر الملوك العظام، إلا أن محتوياتها كانت استثنائية بكل المقاييس.
فقد احتوت على أثاث فاخر مرصع بالعاج والذهب، وألعاب، وأوانٍ، وعطور، وأدوات تجميل، وأسلحة، وأغطية، ومجوهرات ملكية، كلها مكدسة بإحكام في مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار.
وتظهر الزخارف على جدران حجرة الدفن الملك في مشاهد جنائزية مع المعبودات المصرية، بينما خلت من النصوص الطويلة المعتادة في مقابر الملوك، ما يعكس وفاته المفاجئة وصغر سنه.
وتعد هذه المقبرة اليوم مصدرًا رئيسيًا لفهم الحياة اليومية والعقائد الدينية في الدولة الحديثة.

من وادي الملوك إلى المتحف الكبير
في عام 2019، نقل التابوت الذهبي الخارجي للملك من الأقصر إلى المتحف المصري الكبير. بعد عملية دقيقة استغرقت أسابيع من الفحص والتغليف والتأمين، لضمان سلامة الأثر أثناء الرحلة.
وتمت أعمال الترميم باستخدام أحدث التقنيات لتثبيت طبقات الجص المذهبة وتقوية البنية الخشبية للتابوت.
وفي تصريحات إعلامية، أكد الدكتور عيسى زيدان، مدير عام الترميم ونقل الآثار بالمتحف المصري الكبير، أن المتحف سيعرض المجموعة الكاملة لمقتنيات الملك توت عنخ آمون لأول مرة في مكان واحد. وتشمل 5398 قطعة جمعت من المتحف المصري بالتحرير والمتحف الحربي والأقصر.
وأشار إلى أن القاعات الجديدة مجهزة بتقنيات عرض رقمية حديثة وفتارين زجاجية مطابقة لأعلى معايير الحفظ العالمية.

تحفة معمارية
يعد المتحف المصري الكبير، القائم على بعد كيلومترات قليلة من أهرامات الجيزة. مشروعًا قوميًا يهدف إلى عرض تاريخ مصر بطريقة مبتكرة تجمع بين الأصالة والتكنولوجيا.
وسيوفر تجربة بصرية وثقافية فريدة تربط الزوار بماضي مصر العريق من خلال كنوز لا مثيل لها.
وبينما يستعد المتحف لفتح أبوابه رسميًا أمام الزوار من مختلف أنحاء العالم. تبقى قاعة الملك توت عنخ آمون مركز الجذب الأول، بما تحمله من رمزية لحضارة لم تزل تبهر العالم حتى اليوم.


