بعد انتشار المطاعم البدوية في الإسكندرية… المطبخ الليبي في مصر بين التبادل الثقافي وصراع الهوية

كتب: أسامة منيسي
انتشرت في السنوات الأخيرة المطاعم الليبية في مصر على نطاقٍ واسع، ولاقت رواجاً كبيراً تخطّى ظاهرة المطاعم السورية، واضعاً المزيد من التحديات والمنافسة أمام المطاعم المصرية التقليدية. وقد تسلّل المطبخ الليبي إلى البيوت المصرية، وصارت العائلات تتقن الأطعمة الليبية كجزء من هويتها؛ مثل المكرونة المبكبكة، والمردوم، والتحميرة، والمندي، والشاي الزردة الورق، والشاي الأخضر… إلخ. الأمر الذي يهدّد عرش المطبخ المصري التقليدي، ويجبره على تغيير ثوابته. وتتباين الآراء حول ما إذا كانت هذه ظاهرة ستذوب في الثقافة المصرية أم “ثورة” ستجبرها على التغيير.
يعلّق صادق زيدان، صاحب أحد المطاعم، بأن الطعام أصبح في الآونة الأخيرة جزءاً لا يتجزأ من الهوية، لكنه — برأيه — لا يدخل في دائرة الصراع، بل يعزّز من تعارف الشعوب ومزج الثقافات. لافتاً إلى وجود أطباق تقدَّم اليوم تتباين الآراء حول أصلها: هل هي مصرية أم ليبية؟ مشيراً إلى أن هذا يدخل في دائرة “الصراع الناعم” الممزوج بروح الدعابة، مما يكرّس عمق التعاون بين الشعبين.
ويقول الدكتور عماد عبد المقصود (صيدلي)، أحد قاطني غرب الإسكندرية، إن استحسان الأطعمة الليبية في مصر — خاصة الإسكندرية والبحيرة والساحل الشمالي الغربي — يأتي من خلفيات ثقافية متعددة، أبرزها أن سكان هذه المناطق تجمعهم بالشعب الليبي روابط ثقافية وامتداد قبلي ونَسَبي في خطوط تماس يصعب تمييزها. مشيراً إلى وجود قواسم مشتركة عديدة بين الشعبين، ويُعدّ المطبخ الليبي أحد أهم هذه المظاهر.
فيما يرى المهندس أحمد شعبان، أحد المهتمين بالتراث الشعبي، أن انتشار تلك المطاعم يُعدّ أحد مظاهر ضعف الهوية المصرية ومعاناتها من تخبّطٍ شديد في الآونة الأخيرة، خاصة في العقدين الأخيرين. فهي — وفقاً لرأيه — لا تملك فرض نفسها في المناطق الحدودية، خصوصاً ذات الامتداد والانتماء القبلي. ويضيف أنه رغم احتلال الثقافة المصرية للوطن العربي من المحيط إلى الخليج عبر الأثير والفن، إلا أنها تفتقد الكثير في التعبير عن ذاتها لدى التجمعات البدوية. موضحاً أن انتشار طعامٍ بعينه هو أحد الأسلحة الناعمة في فرض الثقافات، مؤكداً أن هذا الجانب إيجابي بشرط الاحتفاظ والاعتزاز بالهوية المصرية.
أما زينب محمد، ربة منزل، فترى أن الطعام الليبي يمتلك مذاقاً شهياً وشديد الخصوصية، وقد أصبح جزءاً لا يتجزأ من المطبخ المصري. وتعتبر أن هذا التنوع يثري المطبخ المصري ويزيده قوة، ويخلق قبولاً واندماجاً بين الشعوب، ويقلّل من الحواجز الثقافية التي نسعى جميعاً إلى هدمها لخلق مجتمعات تتعارف وتتشارك وتتبادل الخبرات والثقافات.

