محمد العيادي يكتب: الصهيونية وتغيير الحليف

مع انتشار اللاسامية والنظرة إلى اليهود على أنهم عنصر أجنبي في أوروبا، بدأ الأمل يتلاشى لدى اليهود في إمكانية العيش في مجتمعات عادلة تستوعبهم، وتمنحهم المساواة مع بقية المواطنين الأوروبيين، وتخلصهم من النظرة الدونية والرفض المجتمعي في عدم رغبتهم بالاندماج. ونتيجة لذلك، اتجهوا نحو دعوة الصهاينة للهجرة إلى فلسطين، بعد تبلور فكرة الصهيونية الداعية إلى تكوين مجتمع يهودي يتمتع بالحكم الذاتي في فلسطين، بدعم من “روتشيلد”، الرأسمالي المعروف. بدأت الهجرة إلى فلسطين عام 1882 من روسيا، بعد قرار الاسكندر الثالث بالانتقام لمقتل والده الإسكندر الثاني عام 1881 على يد حركة ثورية كان لليهود دور فيها. وهاجر العديد من اليهود من روسيا إلى أوروبا الغربية، وأمريكا الشمالية وفلسطين، حيث أسسوا مستعمرات زراعية وأقاموا المصانع، دون انتظار لميثاق دولي، ثم بدأت الموجة الثانية من الهجرة، حيث وصل أربعون ألف يهودي، وقاموا بتأسيس مدينة تل أبيب في ضاحية يافا.
واستعمر الصهاينة الأراضي الزراعية في فلسطين، بهدف ترسيخ سياستهم الاستيطانية، وقد تم شراء بعض المساحات قبل وعد بلفور من الحكومة العثمانية، التي كانت تسعى للتخفيف من أزمتها المالية، ولم يكن ذلك بالأمر اليسير، لولا دعم الرأسماليين اليهود للمنظمات الصهيونية، ولم يكن اليهود يمثلون أي أهمية لدى الصهاينة إلا مجرد وسيلة لدعم الصهيونية العالمية، وبعد مؤتمر بازل، تأسست عدة مؤسسات بهدف ترسيخ الاستيطان الصهيوني في فلسطين، فأنشأت لجنة الاستعمار، وكذلك والمصرف الاستعماري اليهودي، ليكونا الأداة المالية للحركة الصهيونية، ثم الصندوق القومي اليهودي المختص بشراء الأراضي الفلسطينية من الأهالي، ومكتب فلسطين المسؤول عن استعمار الأراضي، وتوطين اليهود، والذي قام ببناء ضاحية يهودية لمدينة يافا، سميت تل أبيب، بعد تلقيه معونة من الصندوق القومي لليهود.
وفي المؤتمر الصهيوني السابع عام 1905، اتُّخذ قرار بالتخلي عن أي فكرة استعمارية خارج فلسطين، وفي بداية الحرب العالمية الأولى، سعى الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان لكسب ود آرثر بلفور ولويد جورج قبل توليهما مناصب في الحكومة البريطانية، وبعد أن أصبح بلفور وزيرًا للخارجية عام 1916، كان له تأثير كبير على علاقة الصهاينة بالحكومة البريطانية، وطُلب من بلفور مساعدة الصهاينة في اعتراف بريطانيا باليهود في فلسطين كوحدة قومية، واعتبار اللغة العبرية لغتهم الأساسية، ومنحهم استقلالًا ذاتيًا في الشؤون التعليمية، والدينية والاجتماعية، والضرائب المحلية، بالإضافة إلى دعوة اليهود إلى فلسطين، ومنحهم الأولوية في اقتناء الأراضي، وقد التزمت بريطانيا بالفعل بإقامة دولة لليهود في فلسطين، وهو ما يُعرف بوعد بلفور، ويعود هذا الوعد إلى حاجة بريطانيا للقوة المالية اليهودية وإلى حلفاء، لضمان دعم البنوك اليهودية عن طريق القروض أو غيرها، لذلك تواصل بلفور مع روتشيلد، وليس مع الزعيم الصهيوني وايزمان، بالإضافة
إلى ذلك، كان بلفور يهدف إلى استغلال نفوذ اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية لدفعها إلى دخول الحرب، وتقوية صف الحلفاء، نظرًا للعلاقة القوية التي تربط الزعماء الصهاينة بالرئيس الأمريكي ويلسون، كما سعى إلى مساعدة يهود روسيا على الهجرة إلى فلسطين، لضمان إبعادهم عن الأحزاب الثورية المعادية لبريطانيا، وقد تعزز دعم مصالح اليهود بشكل خاص، بعد تعيين هربرت صموئيل مندوبًا ساميًا لبريطانيا في فلسطين عام 1920.
واستمر هذا الوضع إلى أن بدأت الحركة الصهيونية في البحث عن حليف آخر غير بريطانيا، فوجدت في الولايات المتحدة الأمريكية ضالتها، وأُعلن عن ذلك في مؤتمر بلتمور بمدينة نيويورك عام 1942، بعد الحرب العالمية الثانية، واستغل الصهاينة نفوذهم المالي والإعلامي، والفكري، والسياسي في أمريكا، حتى أصبحوا يلعبون دورًا هامًا في الانتخابات التشريعية والرئاسية، مع وجود أنصار لهم في الكونجرس الأمريكي يعملون لصالحهم، ويدافعون عن المشروع الصهيوني. وهذا ما نشهده اليوم على الصعيد العالمي، من خلال ممارسات إسرائيل في غزة، وسياسة التجويع، والتهجير، والدمار، وقتل الأطفال، والشيوخ، والنساء، دون أي تحرك جاد من أمريكا. ولا يمكن تغيير هذا الواقع، إلا بوقفة إسلامية عربية موحدة وقوية، وتلبية دعوة تكوين هيئة دفاع مشترك، لإسماع الصوت، وتجنب المزيد من الفجائع.




